التاريخ الميلادي

الجمعة، 15 مايو 2026

نهايات حكام سلمو مصر للهكسوس.. وحكام حموها بـ"مصر للمصريين"

 بقلم: إفتكار السيد (نفرتاري أحمس)

وأنا بتابع الرئيس عبد الفتاح السيسي، وهو بيدي طوفان الامتيازات للهكسوس القدام والجداد، ويرفعهم فوق راس المصريين، ويسلمهم البلد على المفتاح، في نفس الوقت اللي الهكسوس دول أكترهم بيكرهوه ومستنيين عليه فرصة، بفتكر النهايات الوحشة اللي حصلت لحكام سبقوه، سابو مصر للأجانب سداح، لكن الأجانب غدرو بيهم أكبر غدر.



في سلسلة المقالات دي هنقول أمثلة من الحكام دول، زي: حاكم اسمه مجهول من أواخر حكام الأسرة 6، إخناتون، رمسيس التالت، الإخشيدي، الخديوي إسماعيل، السادات، مبارك.

كمان هنجيب مثال من الحكام اللي حمو مصر بحق، ومنعو الهجرات، وهما كتير، بس هنيجب منهم هنا سنوسرت التالت.

الحاكم المجهول في نهاية الأسرة 6

إحنا عارفين إنه اللي بيسميها علماء المصريات "الدولة القديمة" كانت من أقوى العصور اللي عدت على مصر، هي اللي اتبنت فيها الأهرام وكانت مصر دولة كاملة الأركان على أقوى وأحلى ما يكون، درة بتلالي.

ومكنش ع البال أبدا ينتهي بيه الحال للي وصلت ليه على إيد حكام تاهو عن الأصول بتاعة حكم بلدهم، أو دستورها وكتالوجها "ماعت"، لحد ما انهارت الدولة المركزية ودخلنا في اللي اتسمى عصر الاضمحلال الأول.

وده كان له أسباب كتير، اتكلمنا عنها في كتاب "نكبة توطين الهكسوس"، وفي مقالات فاتت على المدونة، منها "إزاي اتبخر الجيش  المصري 4 مرات في التاريخ ومتهدد بالخامسة؟ ج1 ضياع الكتالوج"، هنركز هنا على السبب اللي يخص فتح البلد سداح للأجانب.

فزي ما جه في كتاب "الشرق الأدنى القديم..مصر والعراق" للدكتور عبد العزيز صالح،  لما ضعفت الدولة المركزية في نهاية الأسرة 6، خفت إيدها على الحدود؛ فاتجرأت الهجرات الأمورية([1])، ودول ناس من الشام، اتجرأت على حدود مصر، واشتغلت في قطع الطرق، واتسللو لسينا ووجه بحري، وبلطو فيهم([2]).

فوق ده، لأن ضعف الدولة المركزية معناه يبقى في "مراكز قوى" أو كذا راس بتتحكم في البلد، فبقى في محافظين يستعينو بأجانب من دول، أو من الكاشيين "الكوشيين" في عمل فرق قتال تشتغل لمصلحتهم، والأجانب دول بتعبير صالح: "عاثوا في الأرض فسادا في الأرض دون خشية من الحكومة([3]).

في الوقت ده كان المصريين بيراقبو الأجانب وهما بيتحكمو في البلد، وعايزين يكوشو على حرف وشغل ولاد البلد، بخلاف إنهم بينشرو الجرايم والنهب، وبقى الناس تغلي من الضيق من الحكومة السايبة.

صرخة إيبور

الحال ده وضيق المصريين منه نقلته لينا بردية مشهورة باسم بردية "إيبو ور" أي إيبو العظيم([4])، بيحكي فيها وهو كله حزن ومرارة، وكمان صدمة، الحال اللي وصلت ليها البلد واللي لا كانت على البال ولا على الخاطر، وبيكلم الحاكم ويحمله سبب اللي حاصل؛ لأنه، حسب ما جه في البردية، كان شايف الأجانب بيكترو ومش بيتصرف.

فمثلا، عن محاولة الأجانب التكويش على الحرف بعد ما اتعلموها من المصريين، بيقول "إيبو ور" زي ما جه في موسوعة الدكتور سليم حسن (ج17) : "انظر! لا صانع يعمل، والعدو يحرم البلاد حرفها([5])"، و"أصبح الأجانب مصريين في كل مكان"؛ ويشرح الدكتور سليم حسن المعنى بإن الأجانب اتجرأو يحطو نفسهم مكان المصريين في اللي سماه "الانقلاب الناعم" ([6]).

الحكاية وقفت على إنهم يلفهو الحرف ويتحكمو في لقمة عيشنا؟ لأ،  فالأجانب دول متعودين على شيل السلاح في بلادهم، ونقلو ده لمصر، فانتشر شيل السلاح في الشوارع، وده منظر مش متعود عليه المصريين (شبه ضيق المصريين دلوقت وهما بيشوفو ساعات يمنيين في أماكن عامة ماشيين بالخناجر والسودانيين بالسلاح الأبيض)، وهنا نسمع "إيبو ور":  وهو مفجوع بيقول:

"(والبلاد) ملأى بالعصابات، ويذهب الرجل ليحرث ومعه درعه... حقا فإن الوجه قد شحب، وحامل القوس أصبح مستعدا، والمجرمون في كل مكان، ولا يوجد رجل من رجال الأمس... حقا إن الناهبين في كل مكان([7])".

وحامل القوس دي صفة كنا بنقولها على القبايل اللي بتهاجم الحدود؛ لأنهم كانو مشهورين بشيل الأقواس ورميها علينا من بعيد.

بردية إيبو ور من موقع المتحف الوطني في ليدن في هولندا 

ويكمل "إيبو ور" بحسرة شديدة: "حقا فإن المواطنين قد ألقي بهم على أحجار الطواحين. وهؤلاء الذين كانوا يرتدون الكتان الجميل أصبحوا يُضربون([8])"لقد أصبح بناءو (الأهرام) عمالا في الحقول([9])".

يقصد إنه الأغنيا من المصريين بقى يشتغلو أكتر شغل فيه شقا اللي مكنش يشتغله غير الفقرا، زي الشغل على الرحاية والطاحونة، والمهندسين والفنانين وكل الحرف اللي كانت متخصصة في العمارة وبُنا الأهرام بقو مش لاقيين شغل فيها، فاشتغلو عمال في الغيطان، بعد ما وقفت حركة بُنا المشاريع الكبيرة، لما غابت الدولة.

ومعلوم إنه لما بتغيب الدولة المركزية، وتغيب "ماعت"، يعني دستورها، وتحل محلها ثقافة وعادات الأجانب، وتطلع مراكز قوى تناطح الحكومة، اللي بيطفح على السطح أوحش الناس، وأوحش الأخلاق.

فيحكي "إيبو ور: "حقا لقد... عمت الوقاحة (في كل البلاد) عند كل الناس. والرجل يقتل أخاه من أمه. فما العمل في ذلك؟([10])".

ووصل الحال إنه ناس تتجرأ على مؤسسات الدولة اللي ليها قدسية في النفوس، ويوصف "إيبو ور" المشهد ويقول: "لقد سلبت كتابات قاعة المحاكمة الفاخرة، وأصبح المكان السري مكشوفا (...) وفي الحق لقد فتحت الإدارات العامة، ونهبت قوائمها، وصار العبيد أصحاب العبيد، وفي الحق لقد ذبح الموظفون وسُلبت قوائمهم، فتعسا لي بسبب البؤس في مثل هذا الزمن! (...)([11])".

يعني حصل تعدي على مؤسسات الدولة، سوا من المهاجرين دول أو ناس دخلت معاهم من جوة، وقتلو في الموظفين، ونهبو الوثايق والسجلات والأملاك بتاعة المؤسسات.

وحسب سليم حسن: "كانت هذه فعلة شنعاء في نظر النظام المصري؛ إذ كان سحب الكتابات والوثائق من المصالح العامة للاستشهاد بها أو للإطلاع عليها من الأمور المنظمة تنظيما دقيقا([12])".

وفي إشارة لإن الفوضى دي مكنتش تلقائية، لكن وراها تدبير عقر، بيقول "إيبو ور": "وانقلبت العاصمة في ساعة"، "وقلبوا أوضاع العاصمة رأسا على عقب، واقتحموا دواوينها ومزقوا وثائقها([13])".

الحاجات دي بتفكرنا باللي حصل في مرات تانية في تاريخ مصر، ومنها اللي حصل في سنة 2011، لما اشترك هكسوس قدام من جوة مصر، زي جماعات من البدو وفلسطينيين إلخ، مع غزاة من حركة حماس وحزب الله، واللي تبعهم من جماعة الإخوان المسلمين وعصابات إجرام وغيرهم وهجمو على الحدود، وأقسام الشرطة والمحاكم ومقرات أمن الدولة والسجون إلخ، وضم ليهم في الزيطة ناس مصريين متهورين كانو متوهمين إن اللي بيعمل ده مصريين زيهم، وبيعملو الهجمة ده بحجة يطلعو الأبريا من السجون إلخ.

تفاصيل خبر الهجمة على المؤسسات في  2011 هنا على موقع اليوم السابع

ووصل الحال لآخره، لما وصل لسقوط الدولة نفسها، فيقول "إيبو ور": "لقد تجاسر بعض الخوارج فحرموا البلاد المَلَكية (الحكومة المركزية).. انظر! إن سر الأرض (مصر) الذي لا يعرف أحد حدوده قد أفشي، وأصبح مقر الملك رأسا على عقب.. انظر! إن مصر قد أصبحت تصب الماء ]لغيرها[([15])".

و"تصب الماء لغيرها" يعني مصر اتبدل حالها، من إنه كان في عصور فاتت الكل بيخدمها؛ لبلد بقت تخدم غيرها من الأجانب.

ويكمل بكل لوعة: "والأجانب الذين كانو يخشونها والذين عرف الشعب (تفاهتهم) أصبحوا يقولون لن تستطيع مصر أن تأتي شيئا، فالرمال (المحيطة بها) هي كل حمايتها!([16])".

يعني إن الأجانب دول استقوو، بعد ما بقاش شايفين دولة مركزية ولا حاكم قوي ولا جيش؛ فبقو شايفين أساس قوة مصر سقط، وبقو يتريقو ويقولو مفيش حاجة تحميها غير الصحاري اللي حواليها.

كان فين الجيش؟

 وهنا نوصل للي ممكن يسأل هو كان فين الجيش؟، الجيش بخلاف إنه مكنش جيش نظامي احترافي بالشكل اللي بقى عليه بعد ما بدأنا نفوق من الصدمة دي، بس كان خلاص اتفشكل، لما الحكومة في وقت سابق سمحت لناس من اللي ورا الحدود يدخلوه في حملاتها السابقة لصد الغزوات أيام قوتها.

فالقبايل والجماعات اللي ورا حدود مصر أكترها متخصص في الحرب والغزو، دي شغلتهم أصلا، فلما كان بيعجزو إنهم ياخدو مصر بالغزو المسلح، وبيصدهم الجيش المصري، كان بيعرضو خدماتهم إنهم يحاربو ضمن الجيش، على أساس إنهم أدرى بطبيعة القبايل اللي ورا الحدود وأساليبهم وطرق حربهم؛ لأنهم في الغالب بتبقى زي حروب العصابات.

وكان بيتسمح ليهم أوقات يحاربو فعلا مع الجيش، منه يتكفي شرهم، ومنهم تستفيد الدولة من خبراتهم مع القبايل وحرب العصابات، بس اللي كان بيحصل إنه دي كانت بتبقى فايدة قريبة، بتجيب بعد كدة خسارة ونكبة كبيرة، بتوقع البلد في الآخر برضو في حجر الجماعات الأجنبية دي.

وده اتكرر في تاريخ مصر كذا مرة، وبيتكرر دلوقت مع اللي بيتسمى اتحاد القبايل العربية واتحاد قبايل سينا اللي اتعملو بحجج منها "مكافحة الإرهاب"، و"منع تهجير الفلسطينيين لمصر"، كمان اتكرر زيه في بلاد تانية، ومعلوم إن استعانة إمبراطورية روما بالقبايل اللي استوطنو فيها كانت من أسباب سقوطها.

وهنا بيلخص "إيبور ور" الحكاية ويقول: "إن الجنود الذين جندناهم من أجل صالحنا أصبحوا ضمن الأسيويين، ألا بعدا للخراب الذي حدث (في مصر)، فقد جعل الأسيويين يعرفون أحوال البلاد([17])".

يعني يقصد إن الجنود الأجانب اللي اتسمح ليهم يحاربو معانا قبل كدة، لما البلد ضعفت، فبدل ما يشاركو في حماية البلد من الأجانب، لأ، ضمو للأجانب دول، وبقو معاهم علينا، خصوصا إنهم عرفو أسرار البلد، فسهلو للأجانب الجداد يتمكنو منها.

ويقول عبد العزيز صالح: "وعجزت الدولة عن صد هجرات جديدة للبدو استغلت الأمر؛ فتجاوزوا حدودها، وتسربوا إلى أراضي الدلتا، وشاركوا المصريين معايشهم، واعتبروا أنفسهم من أصحاب البلاد وخاصة أهلها"، وإنه "أصبحت خيرات مصر نهبا مشاعا"([18]).

ويكمل إيبو ور وهو بيعصره الوجع وبيشرح إزاي القبايل والجماعات اللي كانت بتراقبنا من بعيد وتترصدلنا من ورا الحدود، إزاي استغلت الفوضى دي عشان تضرب ضربتها وتدخل هي كمان مصر.

فيقول: "تخربت الأقاليم، وتوافدت قبائل قواسة غريبة إلى مصر، ومنذ أن وصلوا لم يستقر المصريون في أي مكان (...) وأصبح الأجانب مصريين في كل مكان... وأولئك الذين كانوا مصريين أصبحوا أغرابا وأهملوا جانبا".

يعني بقى المصريين أغراب في بلدهم، والأغراب عاملين نفسهم هما اللي أصحاب البلد، عليهم حقا المثل المصري: "البيت بيت أبونا، والغرب بيطردونا".

وكان طبيعي وسط ده إنه يعز الأمن، فقول إيبو ور: "(يقولون) الطرق محروسة، ولكن القوم يختبئون على الأشجار حتى يأتي سارٍ بليل فينهبون ما يحمله ويسلبونه ما عليه، ويشوهون وجهه بالعصا، وربما قتلوه ظلما([19])".

ووصلت الفتن وغياب الأمن لدرجة بقى الطرق مفيهاش أمان، ومفيش قانون بيطبق زي الأول، حتى إن المحافظين بطلو يبعتو الضرايب للحكومة.

وبتقول بردية "إيبو ور" عن ده: "الحق أن أسوان وجرجا في أرض الصعيد لم تعودا تؤديان الضرائب نتيجة لشيوع الفتن، فعزَّ الغلال..، ومنتجات المصانع، فكيف يسير بيت المال إذن بغير موارده؟....قَلَّت سفن الصعيد، وتخربت المدن، وأصبح الصعيد خرابا يبابا([20])".

ويكمل: "أصبحت العاصمة (منف) في خوف من العوز، والناس يأكلون الحشائش ويتبلعون بالماء"، كمان زادت الأزمة الاقتصادية لما وقفت حركة التجارة بين مصر والشام وجزر البحر الأبيض المتوسط([21]).

وعن انتشار القتل والموت يقول "إيبو ور": "عزَّ الابتسام وما عاد أحد يبتسم، وأصبح الحزن يسود البلاد...، وما عزَّ الصخب في سنوات الصخب (حتى بدا كأنه) لا نهاية للصخب"، وكنتيجة: "قست القلوب، وغزا الوباء الأرض، (وسرى) الدم في كل مكان، وأصبح مجرى النهر قبرا، وغدا مكان التطهر فيه بلون الدم، وإذا قصده الناس ليرتووا منه عافوا جثث البشر وظلوا على ظمئهم إلى الماء([22])".

يعني مع غياب الدولة وانتشار الفتن، ما بقاش في رعاية للسدود ولا تخزين الغلة ولا مكافحة الأوبئة ولا مكافحة الجريمة والأجانب، فده كله اتسبب في كترة الموت والقتل.

ويكمل: "وفارق النبل الدنيا‏،‏ وأصبحت ربات البيوت يقلن أني لنا ما نأكله‏،‏ وذبلت أجسادهن في الأعمال‏، وتحطمت قلوبهن من ذل السؤال([23])‏".

♦ العقاب التقيل

وهنا نوصل للعقاب اللي وصل للي حصل حكام نفسهم، حتى اللي اتوفو.

فالفوضى وصلت للجرأة على حرمة الموتى، وده من أكبر الكباير عند المصريين، فاتجرأ اللي عملو الفوضى على الأهرام، ومن الفواجع اللي قالها إيبو ور وهو مستغرب من اللي بيحصل:

"فقد وقعت أحداث لم نسمع عنها منذ ظلمات الماضي السحيق. إذ قامت الغوغاء بخلع الملك! أجل إن الذي دفن بصفته "الصقر" قد انتزعوه من تابوته! لقد نهبت حجرة الدفن وسلب ما بها! ووصل بنا الأمر إلى الحد الذي قامت زمرة من الأفراد-  تجهل كل شيء عن أمور الحكم- بتقويض النظام الملكي ]الدولة المركزية[ في البلاد([24])"، "ومخبأه ]أي تابوت الملك[ الأهرام قد أصبح خلوا"([25]).

وبتعبير سليم حسن: "لقد قوضوا بفعلتهم الشنعاء هذه بنية الهرم الكوني؛ فتصدع وتداعى، وأصبحت مصر "عالما مقلوبا رأس على عقب"، فوقعت فريسة الفوضى الواقفة لها بالمرصاد لتنقضِ عليها كلما تقاعس الملك عن واجباته أو اختفى([26]).

والمقصود بالملك هنا ليس الحاكم في حد ذاته وحده، وإنما الحكومة المركزية ككل ونظامها الأصلي (ماعت).

كلام "إيبو ور" عن الهجمة على الأهرام وتوابيت الحكام معناه سرقة الأهرام بدأت وقت الفوضى دي

لوم إيبو ور للحاكم، والنهاية

في الآخر بنلاقي إن "إيبو ور" بيصب ضيقه كله قصاد الحاكم، اللي معرفناش هو مين؛ لأن في جتة من البردية بايظة، فبيقوله وهو متغاظ على الآخر:

 "إن القيادة والفطنة والصدق معك‏،‏ غير أن ما تبثه في طول البلاد هو الفوضى وغوغاء الذين يتخاصمون‏ (...) فالأكاذيب تتلي عليك، والبلاد قش ملتهب([27])‏".

يعني بيقوله إنت معاك السلطة والقدرة وكل حاجة تخليك تبعد عن البلد البلاوي دي قبل ما تحصل، لكن إنت سبت البلد للفوضى، وبقيت تسمع للكدب اللي بيوصلك، في وقت البلد مطلوقة فيها النار زي القش المولع.

فإيه كان رد الحاكم عليه؟

اتكلم بشكل كأنه يائس، وقاله إنه حاول يحمي الشعب ويقف قصاد الغزاة والأجانب اللي كان بيهاجمو البلد.

فجاوبه "إيبو ور" بإن ده مكنش كفاية، وإنه عارف إن نيته كويسة، بس ده مش كفاية؛ لأنه بدأ يصد الغزو الأجنبي متأخر، بعد ما ساب البلاوي تكبر.

فبيقوله: "إنك جعلت الناس يعيشون بسبب ما فعلته ] من محاولات صد الفساد والإهمال والأجانب في وقت متأخر [ولكنك تغطي وجوههم خوفا من الغد"([28]).

وهنا احتمال إنه عايز يقوله إنه كان الأول بيطمن الناس على حال البلد وإن الأمن مستتب، فخلى الناس ما تشوفش الخطر وهو جاي.

هنا يختلف الحاكم ده عن الحكام بتوع دلوقت، في إنه إن كان غلط، فهو ما شتمش الشعب ولا قال "وإيه يعني ما يقعدو الضيوف في مصر براحتهم، مهما كان خطر وجودهم على الناس".

نلاحظ كمان إن "إيبو ور" ما وقفش عند إنه يلوم الحاكم، لا، هو كمان لام نفسه وكل مصري كان شايف الخطر جاي، والحدود سداح، وما اتحركش باللازم.

فقال: "ليتني رفعت صوتي في ذلك الوقت حتى كنت أنقذ نفسي من الألم الذي أنا فيه الآن. فالويل لي؛ لأن البؤس عمَّ في هذا الزمان([29])".

ولأن عقيدة مصر بتؤمن بإن "ماعت"، يعني أصل مصر ونظامها الصح، ممكن تختفي لكن أبدا مش بتموت، وإنها لازم هترجع، ففي آخر البردية اتكلم "إيبو ور" عن الأمل في أنه هيطلع في مصر حاكم ينقذها، وصفه بإنه: "من يعمل للبناء، ولا يفرق بين جرئ وهياب، وصوره "رجلا يستطيع أن يحيل اللهب بردا وسلاما، ويمكن أن يعتبره قومه راعيا للناس أجمعين، ليس في قلبه ضغينة، وإذا تفرقت رعيته قضى يومه يجمعها([30])".

إحنا هنا ما عرفناش قوي نهاية الحاكم اللي بيتكلم معاه "إيبو ور"، لكن عرفنا إنه الفوضى ما سابتش حتى الحكام اللي اتوفو في حالهم، فاتعدو على جثثهم جوة الأهرام نفسها.

كمان الفوضى ده ضيعت كتير من تعب الأجيال اللي فاتت، وتعب الحاكم نفسه اللي حصلت في عصره، فاتخربت مشاريع عظيمة قديمة، واتعطلت مشاريع تانية إنها تتعمل، واتحولت مصر من واحة الأمان لأهلها ورعب لأعاديها، لواحة أمان لأعاديها ورعب لأهلها.

وأكيد الحاكم اللي كان أيام "إيبو ور"، حتى لو الأجانب ما وصلوش ليه يقتلوه، عاش مكروه من الشعب، ومحملينه أكبر سبب للي حصل للبلد في أيامه.

مين وقعنا؟

هنا نفكر إيه السبب اللي يخلي حكام عظام عملو الحضارة العظيمة دي، يغفلو عن خطر تشغيل الأجانب وتوطينهم جوة البلد؟

من الأسباب:

غرور القوة، يعني شايفين نفسنا ناس عظيمة وقوية لدرجة محدش يقدر علينا، والوهم بإن "كله تحت السيطرة"، فنتهاون في دخول الهجرات بوهم إنهم هيبقو تحت السيطرة.

الوهم بإنه الهجرات الأجنبية، حتى لو اتكتلت على نفسها، مدام الحكومة هتكرمها وتديها امتيازات فهييجي يوم تتمصر بحق وتصون البلد.

تصديق الصعبانيات والمسكنة اللي بيدخل بيها اللاجئين.

تصديق الأجانب اللي عايزين يبلطو في مصر وهما بيقرطسونا بمدح مصر وحضارتها وعقيدتها وشعبها إلخ.

ضعف الدولة المركزية، لما اتساب عيلات في البلد نفوذها وثروتها يتضخمو وتتحكم في محافظات بحالها مثلا، ودخلت المنافسات بينهم، ولهتهم عن الحماية الحقيقية للبلد (وده محل الكلام عنه في حلقة تاني)، لحد ما وصل إنه يبقى ضمن مراكز القوى دي أجانب أو ناس متمصرة بالاسم بس.

الحامي الحق.. سنوسرت التالت

هنا هنجيب مثال لحاكم إزاي حافظ فعلا على البلد من إنه يبرطع فيها الأجانب، ونعرف إنه الحدود والبلد مش بتتحفظ بس بإننا نعمل قلاع وحصون، لكن بإننا نحط قواعد شديدة لدخول الأجانب أو قعادهم في البلد، وما يبقاش سهل يبرطعو في البلد زي ما هما عايزين.

وإزاي الحاكم ده اتخلد في قلب شعبه بكل احترام.

فطبعا بعد الضربة اللي خدتها الدولة المركزية في نهاية الأسرة 6، البلد قعدت مدة في حالة زفت، خصوصا بقى يتحكم فيها إقطاعيين؛ لأنه لما بتغيب الدولة المصرية المركزية، بيحل محلها الإقطاعيين، الإقطاعيين يعني اللي بيتسعرو في التكويش على أكبر مساحة من البلد ومن ثروتها، ويتحكمو في أهلها، ويعملو نفسهم حكومة بدل الحكومة الضعيفة.

 لكن البلد ما عدمتش الرجالة، فقام الناس بعد كدة بلملمة الدنيا، وإن كان للأسف حصلت معارك جوة البلد، لحد ما رجعت البلد في إيد حكومة مركزية واحدة، وسحب النفوذ من إيد الإقطاعيين، ورجع للبلد قوتها وعظمتها وبقت تلالي من جديد من أيام منتوحتب التاني، واللي بيسموه علماء المصريات "الدولة الوسطى".

في الوقت ده، اتعلم الحكام، الدرس، زي أمنمحات الأول وسنوسرت الأول وأمنمحات التاني وسنوسرت التالت، وراحو حصنو الحدود، وكانو طول الوقت يعملو حملات لطرد الأفارقة السود اللي بيحاولو يعملو غزو أو تسلل لأسوان، وطرد القبايل اللي بتيجي من ورا الحدود  الغربية أو الشرقية وعايزة تعمل غزو أو تسلل لوجه بحري.

ووصل إنه مثلا أيام سنوسرت التالت، عمل قلاع وحصون، زي حصن سمنة قرب الشلال التاني، عشان يعرَّف الأفارقة السود إن دي حدود مصر ما يتعدوهاش إلا بإذن، وعشان يعرّف الأجيال المصرية الجاية إن دي حدودكم ماتسمحوش للأفارقة السود يكوشو عليها.

الميزة في سنوسرت التالت مش إنه بس عمل قلاع وحصون، لكن منع أصلا دخول الأفارقة السود لمصر إلا للتجارة أو لو جايين من حكامهم برسالة مثلا لحاكم مصر، وإنه لو دخلو ما يتعدوش سوق "إقن" في أسوان([30]) زي ما جه في كتاب الدكتور عبد العزيز صالح، اللي هو كان مركز التجارة بين مصر واللي جايين من جوة أفريقيا، يعني ممنوع عليهم يسيحو ويديحو في البلد، عشان ما يلاقوش طريقة يعششو في أي حتة فيها.

سنوسرت التالت.. مصدر الصورة (ArchaiOptix, CC BY-SA4.0) 

وكان لسنوسرت التالت كفاحه لتخليص البلد من اللي باقي من نفوذ العيلات الكبيرة، أو تحكمها في المحافظات، فحماية مصر الحق بتكون من الهكسوس والإقطاع سوا، لكن ده موضوع مقالات تانية، واللي عايز تفاصيل أكتر عن ده، وعن كل اللي فات هيلاقيها في كتاب "نكبة توطين الهكسوس" ج1.

وعشان كدة، وهنا ناخد بالنا من نهايات الحكام، نلاقي إن سنوسرت ده من أكتر الحكام اللي اتحبو، وفضل الناس تفتكرهم بكل الخير طول التاريخ المصري القديم، لأنه كان شغال على إنه فعلا تكون "مصر للمصريين".

فيقول الدكتور صالح: "وحظي سنوسرت بنصيب كبير من تمجيد شعبه، واحتفظت الأجيال بذكراه، فظلت بعض حصون النوبة تسمى باسمه، وذكره تحوتمس الثالث، المحارب العظيم، بالخير بعد نحو 4 قرون من وفاته، وشيد له نصبا باسمه، وعندما وفد المؤرخون الإغريق والرومان بعده بمئات السنين سمعوا عنه حكايات شيقة([32]).

يعني إنه كل العصور اللي بعده كان في قلب شعبه، وتحوتمس التالت في عز عظمته افتكر تعب وعظمة سنوسرت التالت، وعظمة حكام تانيين زيه برضو، وعمل آثار تخلد اسمه، وده ناخد بالنا من الحاجات اللي بتصحح فكرة غلط وهي إن الحكام المصريين كانو متعودين يدفنو نجاح اللي قبلهم، ده مكنش صح، إن حصلت من كام حاكم، لكن أكترهم كان بيحفظو قيمة الحكام اللي عملو حاجات تفيد البلد بجد.

تحوتمس التالت في متحف الأقصر

هنقف هنا دلوقت عشان طولنا، ومرة تاني بعون ربنا هنشوف اللي حصل من حكام تانيين، زي إخناتون، رمسيس التالت، أحمس التاني، الإخشيدي، الخديوي إسماعيل، السادات، مبارك.

 القاهرة 7 بشنس الموافق 15-5-2026

 



([1])- الهجرات الأمورية صارت من المكونات الأساسية لسكان الشام في ذلك الزمان، ولم تفقد طموحها في غزو مصر رغم الخساير التي تكبدتها على يد الجيش المصري، فهم لا ينسون هدفهم، ولكنهم في نفس الوقت لا يصلون إليه إلا إذا غفلت مصر عن خطرهم وآمنت لهم وهم يتسللون إليها على دفعات في ستار تاجر أو عامل أو لاجئ إلخ.

([2])- الشرق الأدنى القديم- مصر والعراق، عبد العزيز صالح، مكتبة الأنجلز، القاهرة، ط2 منقحة، 1973، سابق،ص 142

([3])- انظر: الشرق الأدنى القديم- مصر والعراق، مرجع سابق ص 142

([4])- البردية مشهورة كذلك باسم بردية "ليدن"، نسبة إلى متحف ليدن الهولندي المحفوظة به الآن، وممزق منها الأجزاء التي تحتوي اسم الملك في ذلك العصر ونهاية الأحداث.

([5])- موسوعة مصر القديمة، سليم حسن، الجزء 17، الهيئة العامة للكتاب، مشروع مكتبة الأسرة، 2000، ص 297

([6])- نفس المرجع، ص 302

([7])- نفس المرجع، ص 303

([8])- نفس المرجع، ص 306

([9])- نفس المرجع، ص 305

([10])- نفس المرجع ص 307

([11])- نفس المرجع ص 308

([12])- موسوعة مصر القديمة، مرجع سابق، هامش ص 297

([13])- انظر: الشرق الأدنى القديم- مصر والعراق، مرجع سابق، ص 142

([14])- الملكية هنا المقصود بها الدولة وأركانها، وليس المقصود نوع الحكم ملكي وجمهوري كما في العصر الحديث، وسر الأرض مقصود به أسرار مصر وأسرار الحكم والوثائق الهامة.

([15]) - نفس المرجع، ص 309

([16])- الشرق الأدنى القديم- مصر والعراق، مرجع سابق، ص 359

([17])- نفس المرجع، ص 360

([18])- نفس المرجع

([19])- نفس المرجع

([20])- انظر: نفس المرجع

([21])- المرجع السابق، ص 360

([22])- نفس المرجع، ص 361

([23])- نفس المرجع، ص 361- 362

([24])- تاريخ مصر القديمة، نيكولا جريمال، ترجمة ماهر جويجاتي، دار الفكر لدراسات والنشر والتوزيع،  ط2، القاهرة، ص 178

([25])- موسوعة مصر القديمة، سليم حسن، مرجع سابق، ص 309

([26])- نفس المرجع

([27])- موسوعة مصر القديمة، مرجع سابق، ص 315

([28])- الفكر الفلسفي في مصر القديمة، د. مصطفى النشار، الدار المصرية السعودية للنشر والتوزيع، ط1، القاهرة، ص 91.

([29])- موسوعة مصر القديمة، مرجع سابق، ص 299

([30])- الشرق الأدنى.. مصر والعراق، عبد العزيز صالح، مرجع سابق، ص 134

([30])- الشرق الأدنى- مصر والعراق، عبد العزيز صالح، مرجع سابق 180-181

([31])- الشرق الأدنى القديم- مصر والعراق، ص 174

([32])- المرجع السابق، ص 181

0 التعليقات:

إرسال تعليق

جدول محتوى المقال
    Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More

     
    Legacy Version