التاريخ الميلادي

الاثنين، 1 يونيو 2026

الإخشيديين مسحتهم لعبة "المهدي المنتظر"..نهايات حكام سلمو البلد للهكسوس

بقلم: إفتكار السيد (نفرتاري أحمس)

 زي ما في عصور حريتها كانت الهجرات الأجنبية وتوطين أسرى الحرب من أكبر الضربات اللي خدتها مصر في راسها، برضو في عصور احتلالها نفس الحال، ونهاية الدولة الإخشيدية مثال.

في الحلقات اللي فاتت جبنا أمثلة لحكام مصريين، منهم اللي حافظ على عقيدة ماعت "مصر للمصريين" وحمى البلد من الهجرات الأجنبية، ومنهم اللي فتح البلد سداح لما ركب دماغه غرور القوة وافتكر هيفضل مسيطر على الأجانب ويعيشو أتباع للمصريين.

 المرة دي هنجيب أمثلة لحكام أجانب، وقعو في نفس الغلطات، وإن كان الأسباب مختلفة تخص مصالحهم هما والجاليات الأجنبية، ومكنش في بالهم أبدا مصلحة المصريين.

وده خلى الواحد يعرف إنه في غلطات مشتركة في سياسات الحكام، سوا عملها مصريين ولا أجانب، سوا كان سببها خدمة المصريين أو خدمة الأجانب، في الآخر بتبقى النتيجة واحدة، وهي إن الحكام دول بيتغدر بيهم من الأجانب اللي فتحولهم البلد سداح، وبيبقى على إيديهم نهاية حكمهم ومجدهم، والمصريين اللي بيدفعو أكبر تمن.

في الحلقة دي هنتكلم عن كافور الإخشيدي.

واللي بيسميها المؤرخين "الدولة الإخشيدية" هي طبعا نظام حكم أجنبي، اتعمل في مصر في القرن الرابع الهجري، كانت مصر وقتها ضمن الخلافة العباسية اللي عينت تركي اسمه محمد بن طغج الإخشيدي والي على مصر، واستغل، زيه زي ابن طولون اللي قبله، ضعف الخلافة العباسية، واستقل بحكم مصر، واللي بعده مدو كمان حكمهم للشام، وبقت الخلافة اسمية.

● قتل وتعذيب العباسيين بإيد الأتراك

وهنا ملحوظة سريعة إن الخلافة العباسية اللي المفروض عربية دخَّلت في زواريقها الأول الفرس، وبعدين المماليك الأتراك بعدد كبير قوي، وبقو ماسكين مفاصل الدولة، لدرجة اتحكمو حتى في مين يبقى خليفة، وقتلو 5 خلفا عباسيين ورا بعض! هما المتوكل على الله، والمنتصر بالله، والمستعين بالله، والمعتز بالله، والمهتدي بالله.

ومش بس خلعوهم من الحكم وقتلوهم، خصوصا لما الخليفة ما يديهومش العطايا والفلوس والامتيازات اللي متعودين عليها، لا ده إتفننو في إنهم يقتلوهم بأبشع صورة، وفي منهم اللي قبل ما يتقتل دورو فيه الإهانة بالضرب على وشه والتعذيب، ومنعو عنه الأكل والشرب وحبسوه في سرداب لحد ما مات من الجوع، ومنهم اللي اندبح واترمت جتته في النهر أو على الطريق، وعلى إيديهم اتكسرت قوة وهيبة الخلافة العباسية، وده برضو من أمثلة إزاي الإمبراطوريات الكبيرة بتجيلها الضربة من الأجانب اللي بتسلمهم دقنها([1]).

قصور الخلفا العباسيين اتكبست بالموظفين والحاشية والمماليك الأجانب، الصورة من https://digitalorientalist.com/

● حكم العبيد لمصر عقاب نسيان ماعت

نرجع للإخشيدي، لما مات سنة 339 هـ، ساب عيل صغير، وبقى واحد عبد حبشي كان اشتراه الإخشيدي بـ 18 دينار، اسمه كافور وصي عليه، لأن معروف في الزمن ده، كان الحكام بيخلو المماليك والعبيد هما المحاربين الأساسيين في جيوشهم وهما البطانة والحاشية الأساسية بتاعتهم، على أساس مربيينهم على إيديهم ويضمنو إخلاصهم ليهم، وبيتعلمو أمور الحكم، وبيحكمو البلاد لما تجيلهم فرصة.

كافور اتسمى بكافور الإخشيدي نسبة لسيده محمد بن طغج،  وبسبب صغر سن ابن محمد بن طغج، بقى هو الحاكم الحقيقي، وضم الشام لمصر، وبقى صاحب شأن كبير زي ما بتقول الدكتورة سيدة إسماعيل كاشف في كتابها "مصر في عصر الإخشيديين" لحد ما الخليفة العباسي عمل مرسوم سنة 355 هـ إنه يبقى هو الوالي الرسمي على مصر، واتوفى بعدها بسنتين ([2]).

وبكدة نلاحظ إنه وصل العقاب لينا لما فرطنا في "ماعت"، وفي وحدانية الشعب المصري، وعقيدة "مصر للمصريين" إنه يحكم البلد عبيد ومماليك ومرتزقة فيبقو هما الحكام على أهلها الأحرار.

وإن كان ده ما حصلش لينا إحنا بس، هو حصل كمان إنه حكم أو اتحكم المماليك والعبيد في الشام والعراق والبيزنطيين والرومان والعرب أيام العباسيين وغيرهم، فكل اللي بيعمل نفس الغلطات بيشرب من نفس الكاس.

خريطة للحكم الإخشيدي في أكبر مساحة وصلها

● تكرار غلطة رمسيس التالت

هنا نيجي لأحداث هتفكرنا باللي حصل أيام رمسيس التالت، فاكرين لما قلنا في الحلقة اللي فاتت "إخناتون ورمسيس التالت.. نهايات حكام سلمو مصر للهكسوس واتغدر بيهم ج2" إن رمسيس كان محارب عظيم، حمى البلد من 3 غزوات كبيرة لقبايل شعوب البحر هاجمت مصر من الشرق ومن الغرب ومن ناحية الشمال عند البحر الأبيض المتوسط، وعمل انتصارات عظيمة، وقدر يقف في وش القبايل الهمجية دي اللي ما قدرش يقف قصادها أكتر البلاد اللي هاجمتها من الأناضول لحد مصر.

لكن هو نفس رمسيس التالت هدم اللي عمله بإيده لما حافظ على أسرى الحرب والأجانب اللي موجودين في البلد من أول ما اتعملت الإمبراطورية وخدو فيها نفوذ، وفوق ده حط عليهم أسرى الحرب الجداد، وفتح البلد كمان قصاد اللاجئين الشوام اللي اتوسلو لمصر يعيشو فيها بعد ما قبايل شعوب البحر خربت بلادهم.

وكان نتيجة ده إنه رمسيس التالت حصله اغتيال بمؤامرة شارك فيها أجانب، كمان الأجانب دول مع الوقت اتكتلو ووصلو لمناصب كبيرة، واحتلو البلد من جواها، ودخلونا في دوامة احتلالات قعد أكتر من 2000 سنة.

إزاي بقى الإخشيديين كررو ده؟

إنه أيام محمد بن طنج وأيام كافور اتهاجمت مصر برضو من كل الحدود، فمن الجنوب هاجمها السودانيين (كاش/كوش) بغارات على أسوان، ومن الشرق كان بيهاجمنا الحمدانيين والقرامطة، ومن الغرب كان بيهاجمنا العبيديين (اللي هما الفاطميين)، ورغم قوة كل الغزاة دول لكن قدر الإخشيديين في الأول يبعدوهم عن مصر، وعملو مع أكترهم اتفاقيات صلح.

لكن، وزي ما شفنا في تجارب تاريخ قبل كدة، التكتلات الأجنبية اللي جوة، حتى لو في وقت ساعدت البلد في صد خطر غزاة جايين من برة، لكن بتفضل مستنية فرصة هي اللي تبلع البلد من جواها، والفرصة جت للتكتلات دي لما مات كافور الإخشيدي.

فبعده ما بقاش في حد قوي يتولى الحكم، وكان العباسيين مشغولين بصراعاتهم الداخلية وبالحرب مع بيزنطة، فسابت الدنيا أكتر ما هي سايبة، ودخل المرتزقة الأتراك والسودانيين إلخ اللي في الجيش- وأكتر الجيش كان من مرتزقة ومفيهوش مصريين- دخلو في صراعات على السلطة، ومين يهبش أكبر حتة من البلد، وبسبب ده ما بقاش في مسئولين مهتمين بأحوال البلد، وزاد على ده إن فيضان النيل جه ناقص، يعني في جفاف، فغليت الأسعار، وانتشرت المجاعات، وبقت البلد في ضنك.

● ● "تنظيم الدعاة".. 3 لو اتفقو على بلد خربوها

هنا كان واقف زي الديابة على طراطيف صوابعه على الحدود الغربية مين؟

العبيديين (الفاطميين) مستنيين الفرصة ينطو جوة البلد، وده مكنش بقوتهم لوحدهم، لـــــكن كان بمساعدة من التكتلات الأجنبية والمرتزقة اللي جوة، واللي بقى في منهم ناس عايزين يستقوو بالعبيديين ضد اللي بينافسوهم جوة مصر.

والاسم الحقيقي للفاطميين هو العبيديين نسبة لمؤسس دولتهم عبيد الله المهدي اللي هاجر من الشام أو العراق لتونس، وقبل ما يهاجر كان بعت داعية داهية بمعنى كلمة داهية اسمه أبو عبد الله الشيعي، كدب على الناس في المغرب وتونس وقالهم إنه هربان من اضطهاد العباسيين لآل البيت، وجاي يمهد لظهور الإمام المهدي المنتظر، وإنه لو أهل تونس اتلفو حواليه وخلو حكم بلادهم في إيديه هيطلع المهدي المنتظر، اللي هو يقصد بيه عبيد الله بن الحسين، اللي اشتهر بعبيد الله المهدي بعدين، واللي كدب على الناس وقالهم إنه من نسل الحسين وفاطمة.

وكل ده عشان قبايل هناك تساعده هو واللي معاه ضد حكام البلد "الأغالبة"، بحجة إن المهدي وآل البيت أحق بالحكم وهيملو بلادهم عدل، وحصل فعلا إنه قبايل حاربت حكامهم، ونصبوه هو حاكم عليهم.

وراح بعت لعبيد الله المهدي، واللي جه بصفته المهدي المنتظر، بس قلب على أهل البلد، وكل اللي ما دخلش في مذهبه قتله حسب ما جه في كتاب المقريزي "اتعاظ الحنفا بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفا ([3])، كمان قتل أبو عبد الله الشيعي اللي أصلا مهدله الحكم في تونس.

ولحد ما مات، لا حصل إنه الأرض اتملت عدل، ولا مشاكل العالم اتحلت، يعني كدبه اتكشف، ومع ده في ناس فضلت تدي شرعية لدولة العبيديين دي، حتى الأزهر نفسه.

مخطوطة بيزنطية تصور مراسلات بين عبيد الله المهدي (يمين) وإمبراطور بلغاريا سيميون الأول

اللي يهمنا هنا كمصريين بندور في اللي ورا الأحداث مش الأحداث نفسها، هو طريقتهم في التسلل لبلاد المغرب ومن بعدها لمصر، فجنب إنهم نسبو نفسهم لآل البيت، وبيقعدو يشدو الناس بصعبانيات اضطهاد الحكام ليهم، كمان هما تبع الحركة الإسماعيلية الشيعية.

الحركة دي، رغم قلة عدد ناسها، لكن اعتمدت في انتشارها على دعاة سريين انتشرو بعدد قليل، لكن عدد مدرب وفاهم هو عايز يوصل لإيه، ونفسهم طويل، ومش بيستعجلو النتايج، وعارفين يشبكو علاقات مع مين في البلد، وطبعا كان مع الروس الكبيرة وأصحاب القرار والمال.

فقدرت الحركة الإسماعيلية بأعداد قليلة إنها توقع في شباكها بلاد كبيرة، واشتهر التنظيم بتاع الدعاة السريين ده باسم "تنظيم الدعاة"، وطريقتهم دي بيلخصها المثل المصري الفصيح اللي بيقول: "تلاتة لو اتفقو على بلد خربوها"، والمثل التاني اللي بيقول "اليد الغريبة تخرب البيوت العامرة"([4]).

وبتعبير المقريزي وهو بيوصف أبو عبد الله الشيعي (الحسين بن أحمد بن محمد بن زكريا) بيقول إنه "أحد رجالات العالم القائمين بنقض الدول- أي هدمها-  وإقامة الممالك العظام من غير مال ولا رجال"([5])، يعني من غير جيوش كبيرة تبعه في البداية، لكن عن طريق "تنظيم الدعاة"  والصعبانيات وحكايات الكدب المسنودة على الدين، وكمان على شغل التجارة ومكاسبها اللي بيغرو بيها ناس تانية في البلاد اللي بيروحوها، لأن التنظيم ده كان فيه ناس بيشتغلو تجار.

الدولة العبيدية (الفاطمية) في أكبر مساحة وصلتلها

● الأجانب بيساعدو الغزو العبيدي (الفاطمي)

بعد ما ما عملو دولتهم في تونس ومدوها للمغرب وليبيا، وبقت تكتر الحروب بينهم وبين ناس من أهالي البلاد دي، بقو عايزين ينقلو عزالهم على مصر، سوا بسبب خيراتها، أو بسبب موقعها القريب من الخلافة العباسية اللي طمعانين يقضو عليها.

إيه عملو في مصر؟ 

الأول برضو بعتو الدعاة والتجار اللي تبعهم لمصر، وقعدو يبخو الفتن والسموم بتاعتهم بين أهل الحكم وأصحاب الكلمة، ويضمو ناس من قادة الجيش وغيرهم للمذهب بتاعهم عشرات السنين، حتى إنه المؤرخ أبو المحاسن بن تغري بردي قال إنه الديار المصرية "اضطربت في أواخر عهد الإخشيديين بسبب المغاربة أعوان الخلفاء الفاطميين الواردين إليها من المغرب"([6]).

أما المقريزي فبيوصف جو الفتن اللي نشره الدعاة والتجار دول، وساعد عليه تحكم المرتزقة في البلد: "ثمَّ مات كافور فكثر الاضطراب وتعددت الفتن، وكانت حروب كثيرة بين الجند والأمراء قُتل فيها خلق كثير، وانتهبت أسواق البلد، فاشتد خوف الناس، وضاعت أموالهم، وتغيرت نياتهم، وارتفع السعر وتعذر وجود الأقوات".

وفي الآخر بدل ما يحلو مشاكل البلد راحو جابو احتلال جديد، فيقول: "اختلف العسكر، فكاتب الكثير منهم المعز لدين الله الفاطمي، وعظم الإرجاف بمسير القرامطة إلى مصر، وتواترت الأخبار بمجيء عساكر المعز من المغرب، إلى أن دخلت سنة ٣٥٨ هـ ودخل القائد جوهر بعساكر الإمام المعز لدين الله"([7])..

 وإنه عسكر الإخشيديين رسايل للعبيديين عشان ييجو مصر، من أدلة إن اللي رحبو بالاحتلال العبيدي هما اللي كانو محتلين مصر أصلا، مش المصريين ولاد البلد الحقيقيين، وده اللي هبقى نتكلم عنه في حلقة خاصة لو عشنا.

ومع انتشار الفوضى دي كان في فوضى من نوع تاني وهو بوظان الأخلاق وصل لآخره وسط الجماعة اللي مكوشة على الحكم والثروة، وضرب المقريزي مثل على ده بإنه بنت الإخشيد اشترت جارية متجابة من المغرب بـ 600 دينار "لتتمتع بها"، لما وصلت عيون المعز لدين الله الخبر ليه في تونس فرح وزقطط، واعتبر إن ده علامة نهاية ملك الإخشيديين، وقال لأصحابه": "إن الغيرة قد ذهبت من نفوس الرجال بمصر حتى إن إمرأة من بنات ملوكهم تخرج لتشتري لنفسها جارية تتمتع بها، فانهضوا بنا إليهم، فقالوا: السمع والطاعة([8])".

وإحنا عارفين إن مفيش بلد بتخلى من الناس الشمال، لكن دايما في تاريخ مصر وبلاد تانية، الشمال ده بيكتر، ويعمل جرايم وفساد أكبر بكتير من اللي كان بيعمله الوحشين من أهل البلد، فيشوهو سمعتها، ويبقى بوظان الأخلاق الللي مالوش حد ده بوابة من البوابات اللي بيدخل الاحتلال الجديد منها للبلد.

مقبرة منسوبة للإخشيديين في القدس (قناة الجزيرة)
وجنب العسكر المرتزقة، كان في ناس مستوطنين أجانب تانيين، ساعدو برضو العبيديين على احتلال مصر، منهم يهودي مستوطن جاي من العراق اسمه يعقوب بن كلس، ده دخل الإسلام، فرقاه الحكام في المناصب، واختلف مع مستوطن أجنبي تاني برضو جاي نم العراق اسمه جعفر ابن الفرات بعد ما اتوفى كافور، فسافر، اللي هو بن كلس، في السر لبلاد المغرب وقابل المعز لدين الله وطلب منه يعجل بغزو مصر([9]).

وغالبا كان بن كلس من اللي جندهم الدعاة العبيديين قبل الغزو، لساعة الصفر، يعني اللي استنو لحد ما الحكاية تستوى وتبقى البلد مفيهاش اللي يقدر يدافع عنها، ولما المعز احتل مصر كافئ بن كلس بإنه خلاه يتولى تنظيم الحكومة الجديدة والدعوة الإسماعيلية، يعني كمان يمكن اتحول للمذهب الشيعي.

ولما قرّب الجيش العبيدي من الإسكندرية وحس الوزير بن الفرات بضعف قوته، خصوصا لما اتمرد الجند المرتزقة بسبب إن المرتبات بتاعتهم اتأخرت، وقليلة، يعني ما راعوش إن البلد في أزمة اقتصادية بتطحن العضم، راح ابن الفرات اتشاور مع اللي حواليه بخصوص تسليم مصر للعبيديين، فناس قالت نعمل معاهم صلح وناخد عليهم شروط، وناس قلت لأ نحاربهم، وخلصت المشاورات على إنه يتعمل صلح مع العبيديين ويدخلو بس بعد ما يكتبو لأهلها عهد أمان.

● رصة الغش العبيدي في "عهد الأمان"

عهد الأمان ده جه فيه رصة كدب وفشر تليق بالأسلوب الناعم بتاع الدعوة الشيعية، وهو حسب ما المقريزي جابه في "اتعاظ الحنفا في أخبار الأئمة الخلفا" إنه العبيديين جم "لإنقاذ" مصر من الفوضى، وعشان يدافعو عنها، وإنهم هيعيدو ليها الأمن، وهيحاربو الغش، وينشرو العدل، ويصلحو الحالة الاقتصادية، ويدفعو مرتبات اللي اتقطعت مرتباتهم، ويعمرو الجوامع، وإنهم مش هيفرضو مذهبهم الشيعي على الناس.

ودي أمثلة من فقرات لأسلوب العبيديين الناعم في عهد الأمان، يقول جوهر الصقلي:

"بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من جوهر الكاتب - عبد أمير المؤمنين المعز لدين الله - صلوات الله عليه - لجماعة أهل مصر الساكنين بها، من أهلها ومن غيرهم".

وعن سبب غزوه لمصر يقول: "لم يكن إخراجه للعساكر المنصورة، والجيوش المظفرة إلا لما فيه إعزازكم وحمايتكم والجهاد عنكم، إذ قد تخطفتكم الأيدى، واستطال عليكم المستذل وأطمعته نفسه بالاقتدار على بلدكم فى هذه السنة، والتغلب عليه وأسر من فيه، والاحتواء على نعمكم وأموالكم حسب ما فعله فى غيركم من أهل بلدان المشرق، وتأكد عزمه، واشتد كلبه، فعاجله مولانا وسيدنا أمير المؤمنين - صلوات الله عليه - بإخراج العساكر المنصورة، وبادره بانفاذ الجيوش المظفرة دونكم، ومجاهدته عنكم وعن كافة المسلمين ببلدان المشرق، الذين عمّهم الخزى، وشملتهم الذلّة ]هنا بيلقح على الدولة العباسية عدوته إنها فشلت في رعاية البلاد اللي تحت حكمها[ واكتنفتهم المصائب وتتابعت الرزايا، واتصل عندهم الخوف وكثرت استغاثتهم، وعظم ضجيجهم، وعلا صراخهم، فلم يغثهم إلا من أرمضه أمرهم، ومضّه حالهم، وأبكى عينه ما نالهم، وأسهرها ما حلّ بهم، وهو مولانا وسيدنا أمير المؤمنين - صلوات الله عليه ]يقصد المعز لدين الله[- فرجا - بفضل الله، وإحسانه لديه، وما عوّده وأجراه عليه- استنقاذ من أصبح منهم فى ذل مقيم، وعذاب أليم".

ويكمل: "وما أوعز به مولانا وسيدنا أمير المؤمنين- صلوات الله عليه- إلى عبده من نشر العدل، وبسط الحق، وحسم الظلم، وقطع العدوان، ونفى الأذى، ورفع المؤن، والقيام فى الحق، وإعانة المظلوم مع الشفقة والإحسان، وجميل النظر، وكرم الصحبة، ولطف العشرة، وافتقاد الأحوال، وحياطة أهل البلد فى ليلهم ونهارهم، وحين تصرفهم فى أوان ابتغاء معاشهم، حتى لا تجرى أمورهم إلا على ما لمّ شعثهم، وأقام أودهم، وأصلح بالهم، وجمع قلوبهم، وألّف كلمتهم، على طاعة وليّه ومولانا وسيدنا أمير المؤمنين- صلوات الله عليه- وما أمر به مولاه من إسقاط الرسوم الجائرة التى لا يرتضى- صلوات الله عليه- بإثباتها عليكم".

الصقلي اتحجج كمان بإنه جاي مصر بجيشه عشان كمان يحارب الروم اللي بيهددو المسلمين، واعتبر إن اللي يمنعه عن ده كأنه بيمنع نصرة الإسلام والمسلمين.

رسم للخليفة المنصور العبيدي (الفاطمي) في كتاب مجمع التواريخ لحافظ إيرو

لكن مش كل الناس وافقت على الصلح، ففي ناس رفضو عهد الأمان وما صدقهوش، وقالو: "ما بيننا وبين جوهر إلا السيف"، ودخلو فعلا ضد قوات جوهر الصقلي في معارك، لكن خلصت على خسارتهم لأن مش كل أهل الحكم والثروة واقفين معاهم.

فلما وصل الخبر للمعز وفرح، قال شاعر العبيديين ابن هانئ وهو بيكايد العباسيين:

يقول بنو العباس: هل فتحت مصر؟         فقل لبني العباس: قد قُضي الأمر

وقال بيت شعر تاني بيكلم بيه المعز، البيت ده لوحده يكشف كدب العبيديين بخصوص إن دورهم نصرة الإسلام والمسلمين وهو:

ما شئت لا ما شاءت الأقدار                    فاحكم فأنت الواحد القهــار([10])

ودخل جيش الاحتلال العبيدي لمصر بقيادة جوهر الصقلي سنة 358 هـ/ 969 م، وكان غزو بحري وبري، يعني بقوات على البر ومراكب هاجمت البلد من ناحية إسكندرية.

● الخلاصة

فتح البلد سداح للهجرات الأجنبية، والسماح ليهم بعمل تكتلات، والسرسبة جوة مؤسسات الدولة، وأخد مناصب، وعشعشتهم في الجيش، في الآخر بتيجي على دماغ الحاكم، سوا كان مصري ولا أجنبي، لا بينفع فيه غرور قوة، ولا الوهم بتاع إحنا مسيطرين، وإحنا اللي فتحنا بلاد وحكمنا أجناس مختلفة وعرفنا نسايسهم، ولا إحنا عندنا أقوى جيش، ولا ولا ولا.

كل ده ما نفعش حد، لا نفع المصري ولاالأجنبي، لا الصالح ولا الطالح، لا اللي نيته كويسة ولا اللي نيته هباب أزرق، في الآخر الريح المسمومة بتاعة توطين الهجرات الأجنبية المتكتلة على نفسها ضيعت إنجازات الحكام اللي سمحو بيها، وأوقات قتلتهم، والأهم جت على راس أهل البلد.

وربنا ينور بصيرة الجميع.. وفوتكو بألف عافية

القاهرة: 24 بشنس الموافق 1-6-2026

 


 


([1])-وسائل القادة الأتراك في قتل الخلفاء العباسيين خلال الفترة ما بين 247هـ - 256 هـ، 861 م- 870 م، محمد فتحي عبد الجليل، مجلة وقائع تاريخية الصادرة عن كلية الآداب جامعة القاهرة، ،العدد 38، يناير 2023، ص 181- 240

([2])- انظر: مصر في عصر الإخشيديين، سيدة إسماعيل كاشف، مطبعة جامعة فؤاد الأول، القاهرة، 1950، ص 55- 72، وتاريخ مصر إلى الفتح العثماني، عمر الإسكندري وأ.ج. سفدج، مرجع سابق، ص 206- 209

([3])-  انظر: اتعاظ الحنفا بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفا، المقريزي، تحقيق جمال الدين الشيال، ط2، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، ص55-68

([4])- الأمثال من كتاب العادات والتقاليد المصرية، جون لويس بوركهارت، ترجمة إبراهيم شعلان، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط4، ص 97 و108

([5])- اتعاظ الحنفا في أخبار الأئمة الفاطميين الخلفا، مرجع سابق، ص 68

([6])- انظر: الدولة الفاطمية تفسير جديد، مرجع سابق، ص 130- 131

(7)- إغاثة الأمة بكشف الغمة، المقريزي، عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية، ط1، 2007، الجيزة، ص88

([8])- انظر: اتعاظ الحنفا في أخبار الأئمة الفاطميين الخلفا، مرجع سابق، ص 100

([9])- انظر: الدولة الفاطمية تفسير جديد، أيمن فؤاد سيد، ص 135

([10])- راجع التفاصيل السابقة في: اتعاظ الحنفا في أخبار الأئمة الخلفا، المقريزي، ج1، مرجع سابق، ص 97 وص 102- 111

0 التعليقات:

إرسال تعليق

جدول محتوى المقال
    Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More

     
    Legacy Version