التاريخ الميلادي

السبت، 16 نوفمبر 2019

الأجانب في مصر.. دورهم في نشر الجرائم والصراعات والانقسامات قبل 1952


الأجانب في مصر
يشرح الكتاب دور الأجانب في نشر تيارات إضعاف روح المقاومة المصرية

الأجانب في مصر.. دورهم في نشر الجرائم والصراعات والانقسامات قبل 1952

عرض كتاب "الأجانب في مصر - دراسة في تاريخ مصر الاجتماعي 1922- 1952) يتناول دراسة للدكتور محمود محمد سليمان قامت على البحث وجمع المعلومات من محافظ مجلس الوزرا ومحافظ عابدين ومصلحة الشركات والمذكرات الشخصية المودعة بدار الكتب والوثايق القومية ، ومحاضر البرلمان، تقارير وزارة الداخلية ووزارة التربية والتعليم، وثايق وزارة الخارجية البريطانية والبرلمان البريطاني.

 ( محتوى الكتاب )

تخص الدراسة الأجانب الأوروبيين زي اليونانيين والإيطاليين والإنجليز والفرنساويين والأرمن + الأمريكيين (الكلام عن الشوام والمغاربة والعربان هنجيبه في مراجع تانية) اللي اتسرسبو لمصر في توب لاجئين هربانين من الحروب الأهلية والثورات الدموية في أوروبا، أو هربانين من الحرب العالمية الأولى، أو جم مصر في توب عمالة "ماهرة" محتجاها حكومة الاحتلال أو التابعة للاحتلال في مشاريع الحكومة أو الاستثمار، أو في توب تجار، أو دخلو تهريب لضعف الرقابة على الحدود.

ومن أهم اللي اتعرضت ليه الدراسة في طريق الأجانب لاستنزاف مصر، واستنزاف واستهلاك تعب وعرق الفلاحين، وصرف نظر المصريين عن هويتهم المصرية الحقيقية (الكيمتية/ الفلاحية) اللي كانت بدأت ترجع بعد ثورة 1881 وثورة 1919 وترجع مبدأ مصر للمصريين:

- حصل الأجانب على مرتبات ضخمة أضعاف اللي كان بياخده المصريين حتى لو كان المصريين يساووهم في المهارة أو أمهر منهم.

- جم مشردين أو مفلسين أو بفلوس غسيل أموال إلخ لكن عاشو في مصر بصفة مواطنين من الدرجة الأولى بحسب النظام الطبقي الأوروبي القديم، أو بمعنى أصح عاشو بامتيازات فوق المصريين، اتعرفت في الأوراق الرسمية باسم قوانين الامتيازات الأجنبية.

وقوانين الامتيازات الأجنبية  بتنص على حماية الأجنبي من المثول قصاد القضاء المصري أو للقوانين المصرية، وبتحميه من القبض عليه في غياب القنصل بتاعه ولو عمل جريمة قتل، وبتحميه من دفع معظم الضرايب، وبتعفيه من أي التزامات بتتفرض على المصريين زي السخرة عند الباشوات والمحتلين أو العمل ببلاش في الخدمات والمشروعات العامة، وبتمنع الشرطة من تفتيش بيته أو مكان شغله، وبتخلي له أولوية في المناصب والدعم الخاص بالتعليم والعلاج والسكن إلخ.

- كان للامتيازات الأجنبية دور في تشجيع الأجانب على الدخول لمصر بكل طريقة، لأنه بشهادة الأوروبيين إنهم مكنوش بيلاقو نفس الامتيازات في دولهم نفسها، حتى إنها خلت مصر مكان جذب مغري للمجرمين من القتلة والحرامية والمزورين، لأنه أول ما بيدخل مصر وياخد حماية القنصلية بتاعتة، بيتحمي من الحساب والعقاب، لأنه مش بيخضع للقوانين والمحاكم المصرية.

- يتناول الكتاب دور الأجانب في محاربة المقاومة المصرية ومحاربة الثورات المصرية زي ثورة 1919 لأنها قامت على مبدأ مصر الخالد مصر للمصريين، خصوصا الجاليات اللي هي من الاحتلال مباشرة زي الجالية الإنجليزية، أو الجاليات اللي عايشة على كتف الاحتلال ورعايته زي كتير من اليونانيين والأرمن والمالطيين وغيرهم من جنسيات واخدة الرعاية الإنجليزية، كمان وقفت ضد الثورات المصرية حركة "الفيدراليين الإيطاليين".

وقليل جدا من الجاليات أيدت ثورة 1919، زي نوعية من الإيطاليين والفرنسيين، وإن كان مش عن إيمان بالثورات المصرية، ولا تأييد لمبدأ مصر للمصريين، لكن مكايدة في بريطانيا اللي كانت عدوة لبلادهم، وغضب من هيمنتها على مصر وتمييزها للموظفين الإنجليز على بقية الموظفين الأجانب، ورغبتهم في إن الثورة تقلل هيمنة بريطانيا بس (مش أوروبا ككل) على مصر.

إضافة إن عدد قليل من الأجانب أيد الثورات المصرية ضد الإنجليز وهما اللي كانو قايمين على نشر الشيوعية في مصر، زي إيطاليين، لأنهم كانو بيتحركو بدافع محاربة الإمبريالية والرأسمالية في أي بلد يكونو فيها، ومش عشان ترجع البلد دي لأهلها الأصليين وهويتها الأصلية، لكن عشان تتخلص من التبعية للإمبريالية الرأسمالية عشان تقع في إيد الشيوعية العالمية.

فمثلا خسر الموسيقار الإيطالي مارانجوني حياته في مواجهة مع القوات البريطانية، وخطب إيطاليين في الأزهر وقت ثورة 1919، وأيد يونانيين شيوعيين الثورة.

- دور الأجانب في نشر فكر التنظيمات العالمية اللي ضد الأوطان والحدود والجيوش الوطنية، زي الجماعات الشيوعية على إيد اليهود زي جوزيف روزنتال واحد من مؤسسين الحزب الاشتراكي التابع للفكر الشيوعي، وهنري كورييل مؤسس حركة "حدتو" الشيوعية، ويونانيين وإيطاليين وسويسريين تانيين، والمحافل الماسونية والصهيونية اللي حولت جزء كبير من دخل وثروات مصر لدعم مشاريعها الخارجية في فلسطين وأوروبا باسم تبرعات واستثمارات.

وبجنب نشر الفكر الشيوعي والصهيوني والماسوني نشر الأجانب الفكر الرأسمالي؛ لأن كتير منهم قايم على فكر التجارة الحرة، وهو فتح حدود مصر من غير حساب لاستيراد البضايع الأجنبية، حتى لو مصر مش محتجاها، وتصدير الخامات والسلع الضرورية المصرية، حتى لو مصر محتجاها لأولادها، وإن معظم مشاريع الدولة تكون ملكية خاصة لأفراد مش للشعب، واللي يتبع ده من تركيز ثروة مصر في إيد عدد قليل من الأجانب والعائلات والأحزاب.

- دور الأجانب في تسخير إمكانيات مصر اللي بقت تحت إيديهم في دعم دولهم خلال الحرب العالمية التانية سوا بتحويل الأموال اللي بيكسبوها في مصر لدعم قواتهم، أو عن طريق التجسس على الجاليات التابعة لدول معادية ليهم جوة مصر، فتحولت مصر لساحة جواسيس وصراعات، كل جالية بتسخر إمكانياتها وأرضها ضد الجالية المنافسة.

- رفض أكتر الأجانب الهوية المصرية أو الدوبان في الهوية المصرية، بإنهم عملو دويلات جوة مصر، بإن كل جالية ليها مدارسها وكنايسها وجمعياتها ومستشفياتها وجرانينها الخاصة، وأحيانا شوارع أوأحياء خاصة بيها، عشان يساعدها على الاحتفاظ بلغتها وتقاليدها وانتماءها الأجنبي، وتكتلهم الاقتصادي والاجتماعي ضد المصريين.
فكانت المدارس والجمعيات والمستشفيات والصحف إلخ بتتسمى مباشرة بجنسية الجالية المستوطنة التابعة ليها، فكانت منتشر إنه يتقال المستشفى الإسرائيلي، المستشفى اليوناني، الكنيسة الأرمنلية، الجرنان الفرنسي، الجمعية الإيطالية، وهكذا، وخدماتها الأولوية فيها- وأحيانا الحصرية- لأولاد الجالية، وهو اللي كان بيخلي أولاد الجاليات الأجنبية دايما في حالة أحسن من الفلاحين لأن الدعم كان ليهم منظم ومستمر.

- دور المدارس الأجنبية ومدارس الإرساليات التبشيرية الأوروبية والأمريكية (الكاثوليكية والإنجيلية أو البروتستانتية) اللي نشرها الأجانب في تخريج مصريين مسخ ليهم انتماءات وثقافة بتشجع الأجنبي وتقبل استمرار استيطانه في مصر لأسباب سياسية أو دينية إلخ، وهو ما زرع "التجزئة" والخلافات في صفوف المتعلمين المصريين لاختلاف التيارات والثقافات اللي بقو منتمين ليها، بخلاف ظهور طوايف دينية بتحاول تقلل دور الكنيسة المصرية الأرثوذكسية، وهو اللي ولد صراع طائفي مكتوم بين الكنيسة المصرية والطوائف الدخيلة عليها لسة بتعاني منه لحد دلوقت.

- سيطرة الأجانب على القصر الحاكم، خصوصا الإيطاليين زي فيروتشي وأنطوني بوللي واليهود (جنب بواقي الباشوات الأتراك والشوام زي كريم ثابت)، باسم عمالة وخبرات أجنبية ومستشارين لحد سنة 1952، واستغلالهم ده في توجيه القصر لخدمة مصالح بلادهم، فكانو في حقيقتهم جواسيس لبلادهم جوة القصر رغم إن وظايفهم تبان بعيدة عن التجسس.

- بيظهر الكتاب الفرق بين مستوى المعيشة المرتفع والحماية والحصانة اللي كان فيها المستوطنين الأجانب مقارنة بمستوى العيشة اللي تحت خط الفقر والتعرض الدايم للاعتداءات والإهانات والانتهاكات على إيدين الأجانب اللي كان فيه الفلاحين (كان المصريين الحقيقيين ولاد البلد يتسمو الفلاحين في كل مصر).

- دور الأجانب في نشر وزيادة الجرايم في مصر ، ونشر أنواع جديدة من الجرايم مكنش المصريين يعرفوها، وخاصة في لا مؤاخذة الدعارة (الكباريهات) اللي انتشرت باسم كازينوهات، والمخدرات والقمار والخمور وتزييف العملة وجرايم الغش السرقة، معتمدين على أحدث وسايل الجريمة اللي بتظهر في أوروبا وكان صعب يلاحقها البوليس في مصر، واهتمو يوصلو بالجريمة للقرى المصرية والحارات، خصوصا على إيد الإيطاليين واليونانيين اللي توغلو بفتح دكاكين تغري الفلاحين بشرا بضايع أوروبية، زي أنواع جديدة من الجبن أو الحلويات إلخ، وفي نفس الوقت ينشرو معاها الخمور والربا لاستنزاف جيوبهم ولما يعجزو عن السداد ياخدو قصادها أراضيهم وبيوتهم ومواشيهم.

ملحوظة مهمة ..


رغم كل الامتيازات اللي كان عايش فيها هكسوس عصر الاحتلال الإنجليزي، وكم البؤس اللي كان عايش فيه المصريين اللي ظاهرة في الكتاب (في الفترة من 1922- 1952)، إلا إنها كمان ولا حاجة قصاد الامتيازات الأكبر اللي كان عايش فيها الأجانب والبؤس الأكبر اللي كان عايش فيه المصريين قبل 1922، لأنه بعد ثورة 1919 اشتدت المقاومة المصرية في المطالبة بالتمصير واسترداد حقوق المصريين المنهوبة قبل الثورة.

*******************

عرض الكتاب بقلم: إفتكار البنداري السيد (نفرتاري أحمس)

مقالات ليها صلة:

ليه توطين الأجانب نكبة وخطيئة؟
مين ضد "مصر للمصريين" ومع "مصر لمن غلب" ؟

الجمعة، 15 نوفمبر 2019

كتاب (نكبة توطين الهكسوس)..لماذا هذا الكتاب ج2

(تابع المقدمة عن أسباب عمل الكتاب)

الهكسوس اللاجئين الهجرات مصر
غلاف كتاب نكبة توطين الهكسوس

مهمتي أني كنت عازمة- بمشيئة الله- على أن استغل دراستي الإعلامية والأثرية في أن ألملم بعض مجهود هؤلاء الأساتذة في هذا الكتاب، ليجد المصري الخطوط العريضة لمسيرة أجداده في كل هذه المجالات بعيدا عن الغشاوة التي دفع كثير من هؤلاء الأساتذة من أعمارهم لتزول وتشرق شمس مصر مرة أخرى، لكن وجدت أنه بالتأكيد لا يحتويها كتاب، بل سلسلة كتب، كل كتاب يخص مجال من هذه المجالات، وتحمل السلسلة اسم "هويتي مصر".

أما من أين أبدأ، فإن حال مصر الآن هي من فرضت البداية، فمنذ 2011 ومصر في عملية تغيير لدمها وجلدها وروحها، طوفان من الأجناس يُقذفون على مصر باسم لاجئين وعمالة وتجار، ملايين دخلوا في وقت قصير، وفي وقت قصير أيضا سيطروا على مناطق واسعة من الأرض والاقتصاد والثقافة، وما أن استقروا حتى تدفقت ورائهم قوانين تسهيل تمليك وتجنيس وتوطين الأجانب! طوفان من أجناس متصارعة عرقيا وطائفيا وقبليا، تخربت بلادهم لحزبيتهم وطائفيتهم، فمن له مصلحة في أن يقذفهم مع أسباب الخراب إلى مصر؟

إن قصة تسليم مصر للهكسوس من جديد بدأت منذ  1974، بقوانين صنعت مراكز قوى أجنبية تحكم البلد باسم مستثمرين ومجنسين ومستشارين وبيوت الخبرة الأجنبية، ثم جاءوا اليوم طوفانا من البشر، بالملايين، باسم لاجئين ومستثمرين، لسانهم حلو ووعودهم براقة، بل ويفرضون لونهم وهويتهم وأسمائهم على كل شارع ومكان يسيطرون عليه، ويمحون كل ما يخص مصر، قدموا لمصر بأعداد لم تشهدها مصر للأجانب في تاريخها، إن من يتابع رصد وتحاليل أساتذتنا في تحليل فترات سقوط وصعود مصر ليوقن كل اليقين أن ما تمر به مصر اليوم هو الطريق إلى النهاية، نهاية مصر بكاملها، فقد تجمع في سماء مصر وأرضها كافة أسباب احتلال مصر وسقوطها بل وإبادتها.

يشير الحكيم "إيبو ور" للمستوطنين الأجانب في برديته كأحد أسباب انتشار الفوضى في نهاية الأسرة 6 قبل سقوطها: "انظر! لا صانع يعمل، والعدو يحرم البلاد حرفها([1])" فبعد أن كثر المستوطنون: ""تخربت الأقاليم، وتوافدت قبائل قواسة غريبة إلى مصر، ومنذ أن وصلوا لم يستقر المصريون في أي مكان (...) وأصبح الأجانب مصريين في كل مكان... وأولئك الذين كانوا مصريين أصبحوا أغرابا وأهملوا جانبا([2])".

ويتتبع نيكولا جريمال جذور الاحتلال الهكسوسي في نهاية الدولة الوسطى قبل سقوطها فيرصد أن تدفق العمالة الآسيوية هو بداية حركة هجرة متصلة وسلمية، ولكنها ثابتة ودؤوبة، أدت إلى استقرار بعض الشعوب على الحدود الشمالية الشرقية لمصر، جاءت بعد أن طردتها من مواطنها الأصلية هجرات جديدة هاجمت الشام، حتى إذا آن الأوان نزع المهاجرون إلى الاتحاد ليحتلوا المناطق التي تقع تحت أيديهم، وعادت الآليات التي كانت وراء سقوط الدولة القديمة إلى الظهور، وتتمثل في إضعاف الدولة وما ترتب عليه من انفراط عقد وحدة البلاد([3]).

ويرصد فرانسيس فيفر في كتابه عن أسباب سقوط الدولة الحديثة بعد الأسرة 20 في يد المستوطنين الأجانب: "شقية هي أرض مصر، كم تعرضت للأطماع طوال العقدين الماضيين! أطماع الوزراء، أطماع كبار الكهنة والنساخ، بل أطماع الأعيان الأجانب أيضا، لقد فتحت غزوات الفراعنة في القرون الأخيرة باب البلاط الملكي أمام هؤلاء الأجانب. في البداية كانوا سفراء لبلادهم، ثم أصبحوا مستشارين بارعين لدى الفراعنة، وأخذوا يؤسسون سلالات قوية من الأعيان تحيط بأصحاب العرش"([4]).

وبتعبير د. عبد العزيز صالح فإنه على الرغم من هذا التساهل النسبي في توطين الأجانب يعتبر مكرمة للخلق المصري، إلا أنه جرَّ على مصر بعد ذلك شرورا كثيرة كانت في غنى عنها لو أنها استأصلت شأفة أعدائها من جذورها([5])"؛ لأن "الخطر كل الخطر كان يتمثل في ألا يخلو إخلاص هؤلاء النزلاء لها من شوائب، وأن يتمصروا بمظهرهم وليس في مخبرهم، وأن يظل بعضهم على استعداد للتنكر لها متى سنحت لهم فرصة أو ألمت بها نكبة، وما كان أكثر احتمالات النكبات عليها في ذلك الزمان([6])".

منذ 2011 كأنهم في سباق محموم، لتفريغ مصر مما بقي من مصريتها، ومن حقوق أولادها فيها، ومن التعريف الحقيقي لكلمة مصري، نشطت الكتابات عن أصول المصريين، ومن أصحاب الحق في مصر أساسا، وادعت أن لكل الأجناس "حق" في مصر- عدا المصريين الحقيقيين أنفسهم- 

تزاحمت الأعمال الأدبية والفنية لتحقير كل ما هو مصري أصلي (فلاح)، وبتمجيد كل ما هو أجنبي ودخيل، وصل اليوم المجنسون ومزدوجو الجنسية بسرعة البرق إلى أعلى المناصب في مصر (قادة الثقافة والفكر ومنصب المحافظ على سبيل المثال)، تشجيع المصريين على الهجرة وخفض المواليد مقابل تشجيع الأجانب على القدوم لمصر وتجنيسهم، تحميل الفلاحين مسئولية كافة المصائب والنكبات التي تعرضت لها مصر وتبرئة الأجانب والمحتلين، وعلو الصوت أكثر وأكثر بأن مصر حين يحكمها أجنبي أفضل من مصر حين يحكمها المصري الفلاح، يا ترى ما هو سبب هذه الحمى؟

ولذا كانت البداية بهذا الكتاب... رصد مأخوذ من كتب أساتذتنا، ومن كتب وشهادات المؤرخين القدامى والمعاصرين لكل فترة حرية أو احتلال، لأسباب صعود أو سقوط مصر، وكيف كان حال مصر حقا وهي حرة، وكيف كان حالها تحت الاحتلال، وكيف كان حال مصر حقا وهي مصرية خالصة، وكيف حال مصر وهي "لخبطيطة" مشوهة من ثقافة "كل الأجناس".
وعلى هذا يبدأ الكتاب بما رآه الأجداد أنها الأصول والملامح الحقيقية لمصر، وعقيدتها (ماعت)، بل وسبب خلق مصر من الأساس، ووظيفتها في هذه الحياة، وشروط تحقيق هذه الوظيفة، وعهدها مع الإله، والعقاب المنتظر لأولادها حين تخلو عن هذا العهد، ثم أسباب احتلالها، ودور الهجرات الأجنبية في جلب الاحتلالات، ونتائج كل فترة احتلال واستيطان أجنبي تعرضت لها مصر، وملامح الاحتلال الاستيطاني الجديد الذي وضعه قدمه الأولى بالفعل في مصر مؤخرا، وهو مقسم إلى جزأين:

الجزء الأول: مصر وأحوالها مع الهكسوس منذ الأزل وحتى 1952.

الجزء الثاني: مصر وأحوالها مع الهكسوس منذ 1952 وحتى 2019

لعلَّها وعسى تكون صرخة تنضم لصرخات من سبقونا، توقظنا، قبل أن تُباد مصر إلى الأبد.

وحتى لا يأتي يوم نقول ما ردده جدنا "إيبو ور" بعد فوات الأوان عاضا أصابع الندم وهو يرى مصر في نهاية الأسرة 6 تسقط أمام عينيه، والدم يملأ كل مكان، على يد من فرضوا في مركزية وسيادة الدولة، وعلى يد الأجانب الذين استوطنوا في مصر وقت غفلتها:
"ليتني رفعت صوتي في ذلك الوقت حتى كنت أنقذ نفسي من الألم الذي أنا فيه الآن، فالويل لي، لأن البؤس عمَّ في هذا الزمان"([7]).

وقبل القراءة... لا تفاجئ

هذا الكتاب:

لا يجامل أحدا، لا يجامل أي جنسية أجنبية، لا يجامل أي أصحاب دين، لا يبرر لأي مذهب يتخذه أصحابه وسيلة للسيطرة وسرقة أوطان غيرهم، لا يتحسب لأي لوم إلا إذا كان يختص بدقة المعلومات، لا يبرر لأي عصر أو شخص داس على رقبة الفلاح ليخفي صوت مصر الحقيقي يوما ما.

هذا الكتاب:

لا يصف أي أجنبي حكم مصر إلا بأنه "احتلال" و"اغتصاب" لمصر، أيا كانت لغته أو دينه أو عرقه، فالهكسوسي احتلال، والكوشي والآشوري احتلال، والفارسي احتلال، واليوناني والروماني احتلال، والعربي احتلال، والعبيدي (الفاطمي) والأيوبي والمملوكي والعثمانلي احتلال، والفرنسي والإنجليزي والإسرائيلي احتلال، سواء كان دين هؤلاء غير معروف أو إسلامي أو مسيحي أو يهودي، فكل من هو أجنبي وقدم لمصر ليأخذ حكمها أو مناصبها وثروتها وهويتها ويتكبر على الفلاح وداس عليه، وأصر على أن يحتفظ بأصله الأجنبي ويتفاخر به هو احتلال خبيث.

هذا الكتاب:

حين ينطق كلمة مصري في الكتاب فهي تكون في موضوعين، 
إما على لسان المصدر والمرجع الذي ينقل عنه، وهنا التزام بأمانة النقل ويكون معنى مصري على حسب ما يقصد المرجع، كأن يصف مثلا الجبرتي المماليك بأنهم مصريين أو مصرلية، رغم أنهم طبعا ليسوا مصريين.

والموضع الثاني هو على لسان صاحبة الكتاب، وهي لن تعني إلا الفلاح المصري الذي لا يعرف له أصلا إلا أنه ابن مصر، ذلك الباقي يحمل دم وعروق أجداده من آلاف السنين، أو ذاك الذي قدم في عصر من العصور إلى مصر في صحبة احتلال أو غيره، لكن نفض عن نفسه كل أصل أجنبي وكل غبار وافد، ولم يرضَ لنفسه أن يعيش إلا مصريا خالصا، فلاحا، لا يعتز بأي نسب أجنبي يخص بلد ما أو قبيلة أو أي عرق أجنبي، ولا يعين أي احتلال، بل ويقضي عمره لنصرة مصرية مصر، ونصرة بانيها الفلاح، ورفعه فوق رقبة محتليه، هاتفا "مصر للمصريين"... المصريين الحقيقيين.

وأما المقصود في الكتاب بالهكسوس- ومعناها الأجانب في اللغة المصرية- فهو كل ما هو أجنبي لا يناسب هوية مصر، سواء الأجناس أو النظريات والأفكار والعادات والتقاليد الأجنبية، مهما تم تزويقها وتلميعها لتخفي ببريقها الزايف وجه مصر المشرق الحلو الأصيل.. أعذب وجه على الأرض.


مقال له صلة :

كتاب (نكبة توطين الهكسوس) لماذا هذا الكتاب ج1

------------------------
([1])- موسوعة مصر القديمة، سليم حسن، الجزء 17، الهيئة العامة للكتاب، مشروع مكتبة الأسرة، 2000، ص 297
([2])- الشرق الأدنى القديم (الجزء الأول مصر والعراق)، د. عبد العزيز صالح، مكتبة الأنجلو، ط2 منقحة، القاهرة، 1973، ص 360
([3])- انظر: تاريخ مصر القديمة، نيكولا جريمال، ترجمة ماهر جويجاتي، دار الفكر لدراسات والنشر والتوزيع،  ط2، القاهرة، ص 237
([4])- الفرعون الأخير رمسيس الثالث: أو زوال حضارة عريقة، فرانسيس فيفر، ترجمة فاطمة البهلول، دار الحصاد، ص 11
([5])- الشرق الأدنى القديم (الجزء الأول مصر والعراق)، مرجع سابق، ص 238
([6])- نفس المرجع، ص 240
([7])- الحكم والأمثال والنصائح عند المصريين القدماء، محرم كمال، الألف كتاب الثاني، ط  2، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، ص11
----------------
مراجعة لغوية: أ. أسامة عبد المعطي
الكتاب بقلم: إفتكار البنداري السيد (نفرتاري أحمس)

كتاب (نكبة توطين الهكسوس).. لماذا هذا الكتاب ج1

  الهكسوس اللاجئين
غلاف كتاب نكبة توطين الهكسوس


لماذا هذا الكتاب (المقدمة)

في 2011، يوم الزلزلة العظيم..
 ليس فقط فيما اجتاح بلدنا من فوضى هبت بزئيرها المزعج المخيف كالريح هوجاء السموم من الاتجاهات الأربعة، كالغول الجائع يكاد يكتسح في طريقه كل شيء، مسلحا بالنيران وأصوات الرصاص والعصابات، تنتهك حرمات كل شيء،لكن أيضا فيما اجتاح نفوسنا وعقولنا من اهتزازات أوشكت أن تقتلعنا من الجذور.. الجذور رأس مالنا الحقيقي كمصريين.

ففي خضم الميدان الهائج بأحسن أنواع البشر وأسوأها، وتحت الأضواء الساطعة، علت أصوات تتصارع كالذئاب اللاهثة على فريسة مكبلة، هذا يرفع شعار "مصر إسلامية"، وذاك "مصر عربية"، وذاك "مصر مدنية ليبرالية"، وهذا "مصر علمانية"، وآخر "مصر أم الدنيا لكل المذاهب والأجناس".. عددهم قليل وصوتهم كالهدير..

لكن في الظل، هناك  في البيوت والأرياف والحواري،

كان العدد الأضخم من الناس، الغالبية، تتردد في صدورهم كلمة واحدة فقط "مصر"، لا قبلها شيء، ولا بعدها شيء، لكن لا يعرفون كيف يقومون بتوصيلها ، صوتهم مكلوم مكتوم، يتركون المتعلمين الذين صرفوا عليهم دماء قلوبهم يتحدثون عن مصر كيفما شاءوا.. يتخيلون أنهم الأدرى والأعلم.

أنا من المتعلمين، لكني فلاحة قام فلاحين مصريين بتربيتى  على أنها مصر، مصر وفقط، لم أسمع في قريتي كلمات مصر الإسلامية ومصر المدنية ومصر الليبرالية ومصر العلمانية وغيرها، فتكلمت في الميدان وسط المتعلمين بكلام الفلاحين، قلت إنها مصر . فقط مصر المصرية.. فضحك بعضهم، وسخروا.

إنهم يهزون كل شيء هزا، قالوا إن "ثورة يناير 2011 هي أفضل الثورات في تاريخ مصر"، ومنهم من قال: "هي الثورة الوحيدة في تاريخ مصر".. لم يذكروا ثورات 1881 و 1919 و 1952 إلا بالسباب  وتزايد السباب لثورتي 1881 و1952 لأن قادتهما من جيش الفلاحين، قالوا إنها ثورات عسكر وانقلابات، لكنهم يمدحون محمد علي وإسماعيل وفاروق والمماليك ونابليون والإسكندر والمعز لدين الله وهارون الرشيد وصلاح الدين،

تعجبت وقلت ألم يكونوا عسكر؟ نعم عسكر، لكنهم عسكر أجانب، ليسوا فلاحين... هل السر إذن في كراهية الفلاحين؟ ولماذا يكروهون الفلاحين؟

إنهم يكرهون ثوراتنا.. لكنهم يمجدون ثورات فرنسا وإنجلترا وروسيا التي قادتها تنظيمات عالمية وفجرت براكين الدم والمذابح والحروب الأهلية والاحتلالات على العالم.. لماذا يكرهون ثورات الفلاحين إذن؟ هل لأنهم ضد الحروب الأهلية والاحتلالات والتنظيمات العالمية؟ أم لأنهم المصريون الحقيقيون؟

لم يكن ميدان التحرير في 2011 مجرد ميدان ثورة تهتف لمصر.. كان ميدانا يضم مصريين حقيقيين يهتفون بحريتها، ويضم أيضا "مصريين" مزيفين دعاة كل احتلال قديم يتمنون أن يعود ليحتل مصر ! إن روائح الهكسوس تهب في كل مكان، هكسوس الشرق والغرب والجنوب والبحر، بل إن بعض "قادة الميدان" هكسوس حقا.

قبل زلزلة 2011 كنا كأننا نسير على بحر بلا أمواج، لا حركة لا روح، كأنه لوح زجاج ميت، لا نعرف إلى أين نسير، وإذ فجأة تلاطمتنا الأمواج العاتية، كل موجة كالجبل تريد أن تدفعنا بكل قوتها أمامها.. تفرقنا،

كل مجموعة من المصريين سارت برغبة منها أو رغما عنها في اتجاه.. تقتلعنا من الجذور، تفرقنا أشتاتا أشتاتا.. وقائد كل موجة من الهكسوس، كالشيطان يرانا ولا نراه !

في 2012.. البلد تموج بورش عمل ومناقشات حادة حول الدستور الجديد المقترح وضعه، الخناقات منصوبة حوله بين جميع الناس- خاصة المتعلمين- وسط محاولات حزبية قبيحة لاقتناص مصر لهذا الحزب أو هذا التنظيم، خصوصا مع تنمر تنظيم الإخوان المسلمين وجماعات السلفيين، ومن يصفون أنفسهم بـ"الثوريين" من علمانيين وشيوعيين وليبراليين وعروبيين.. الحيرة تمزقنا، والبلد تختنق... وروائح الهكسوس تسمم الهواء.

في قاعة من قاعات كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة العريقة، احتشد لفيف من الأساتذة الخبراء في القانون والدستور والعلوم السياسية مع عشرات من الجمهور، عرض فيها الأساتذة مشروعاتهم المقترحة للدستور المنتظر، فرَّقوا علينا نسخا ورقية من المقترحات لنقرأها ونقول رأينا كعينة من الجمهور، فلما طلبت الكلمة قلت لصاحب المشروع الذي في يدي:

- أنا قريت مشروع الدستور، بس ما لقيتش فيه حاجة عن هوية مصر خالص، حاجة تميز مصر.
الدكتور: حاجة عن هوية مصر وتميز مصر زي إيه مثلا؟!
- يعني مثلا في تعريف الدولة والنظام السياسي المكتوب فيه زي دول تانية كتير، وفي النظام الاقتصادي ما لقتش حاجة تعرف نظام الاقتصاد في مصر ويكون معبر عن هويتها.
الدكتور متململا باستياء: يعني عايزانا نكتب في تعريف الدولة ومصر إيه مثلا؟
قلت بعفوية طفولية.. أو فلاحية:
- يعني الدستور يبين إن مصر مصرية.
الدكتور: مصر مصرية؟! يعني إيه مصرية؟؟
ثم ضحك، وضحك آخرون معه، ضحك سخرية

لم يغضبني ضحكهم ولا سخريتهم، ففضلا عن أنهم أساتذتنا وكبراءنا، فأيضا هذه الإجابة لو قلتها أمام كثير من المصريين- أصحاب الشهادات العالية- سيضحكون لأنه مر علينا أجيال وأجيال، بل قرون، لم يكن من حقنا أن نقول إن مصر مصرية، ولا أن حق مصر أن يكون لها نظامها الخاص في الحكم والاقتصاد والثقافة وكل مجالات الحياة كما كانت عليه لآلاف السنين وهي حرة.

يقولون في مشاريع الدستور مصر مدنية/ علمانية.. هناك عشرات الدول تصف نفسها هكذا.. فمن فيهم مصر؟
يقولون إن مصر إسلامية، هناك 56 دولة تقول إنها إسلامية... فمن فيهم مصر؟
يقولون مصر عربية، هناك 22 دولة تقول إنها عربية.. فمن فيهم مصر؟
يقولون مصر اقتصادها اشتراكي، أو يتبع السوق الحر، هناك عشرات الدول هكذا، فمن فيهم مصر؟

هناك في الأرياف والحواري، بعيدا عن الجامعات الفخمة، والشهادات الفخيمة، والنظريات المنفوخة، إذا قلت مصر مصرية سأجد كثيرا ممن يقول: "أيوة طبعا بلدنا مصرية أومال أجنبية يعني يا بنتي؟!".. هناك حيث ما زالت بقية طاهرة منزهة عن  الحزبية السياسية والدينية وعُقد الهوية المستوردة.

يقول توفيق الحكيم في لقاء مع التلفزيون المصري وفي كتابه "مصر بين عهدين" إنه حين ذهب سعد زغلول مع زميليه إلى المندوب البريطاني وينجت يطلبون تصريحا بالسفر لعرض قضية مصر على مؤتمر الصلح بباريس سألهم: ومن هى مصر التي ستعرضون قضيتها؟! فقالوا مصر بلدنا، قال: لا نعرف بلدا مستقلة اسمها مصر، بل بلد إما تابعة لحكم العثمانيين أو لثقافة العرب، اسمها القطر المصري وليس مصر، وكانت النتيجة- يقول الحكيم- أن المصريين قرروا أن يملأوا كل مكان في مصر باسم مصر، وطعم مصر، وهوية مصر، فخرجت مشاريع بنك مصر كلها تحمل اسم مصر، والمسارح والروايات والأشعار تتحدث عن مصر الخالصة، لا عثمانية ولا عربية ولا أوروبية.

وفي ندوة في بيت السناري- التابع لمكتبة الإسكندرية- وجدت مع زميل كتاب عن تاريخ مصر من الفتح العربي وحتى العثماني، الكلام فيه عن سياسة العرب في مصر والطولونيين والإخشيديين والعبيدين (الفاطميين) والمماليك، لم أجد فيه مصر السعيدة بحكم هؤلاء التي يصورونها لنا في التعليم والمسلسلات، لم أجد إلا مصر مغصوبة يتيمة منهوبة تدوسها أقدام كل الأجناس الأجنبية، عرب وعجم، مسلمون أو مسيحيون أو ويهود.

 قلت أكيد هذا الكتاب كتبه مستشرقون أعداء للإسلام وللعرب، نظرت في المراجع وجدتها من أئمة الكتب القديمة، ابن عبد الحكم، الكندي، الطبري، المقريزي، ابن تغري بردي، ابن إياس، إلخ، عرب مسلمون لا يفترون على العرب ولا الإسلام، قررت اشتري هذه المراجع التاريخية القديمة أو اقرأها من على الإنترنت... وتأكدت أن مصر حينها لم تكن مصر تلك التي يعلمونها لنا في المدارس والمسلسلات الدينية حتى يقنعونا بأن "مصر عربية"، وأسعد عصورها عصور "الخلافة الإسلامية" حين هبطت عليها هجرات أجنبية بوجه غير وجه مصر، يا ترى كم عصر من العصور تعلمناه بمعلومات كاذبة، معلومات تريد أن تقول لنا إن مصر.. ليست مصرية.

إن معظم كتبنا ومسلسلاتنا وأفلامنا تقول لنا إن أعظم عصور مصر وهي يحكمها الأجانب، نادر أن تقول إن أعظم عصورها حين حكمها أولادها، فلاحوها.. هل هذا يستقيم مع بلد تصف نفسها بأنها "بلد حرة"؟
يقال إن ثورة 23 يوليو 1952 زورت التاريخ، وأن حكم الأجانب قبلها كان "فل الفل"، إذن فلنعود إلى الكتب والصحف الصادرة قبل 1952 لنعرف الحقيقة، عدت وقرأت وعرفت، لكن الحقيقة ناقصة، إنه لنعرف حقيقة 23 يوليو يلزم أن نقرأ المكتوب أيام محمد علي والإنجليز، ولنعرف حقيقة ذلك يلزم أن نقرأ المكتوب أيام العثمانيين والمماليك، ولمعرفة حقيقة أيامهم يلزم أن نعرف ما كان عليه الحال قبلهم أيام الأيوبيين، ولنعرف حقيقة هؤلاء وهل كانوا خيرا أم شر على مصر يلزم أن نعرف حال مصر قبلهم أيام العبيديين (الفاطميين)، وهكذا، فيلزم أن نقرأ ما كان قبلهم أيام العرب ثم الرومان واليونان والفرس إلخ.. حتى نأتي إلى الأرض الثابتة، الأصل، في أزمنة الحكم المصري الخالص، نجلس وسط المصريين الحقيقيين، قبل أن تشوبهم الشوائب، يوم أن كان لا صوت فوق صوت الفلاح، نسمع منهم هل كان حال مصر أفضل أم ما كان عليه في عصور الأجانب (الهكسوس من كل جنس)؟

الشوارع مليئة بالكتب، الأرصفة، المكتبات المجانية في المدارس والجامعات وقصور الثقافة، المكتبات العامة، سور الأزبكية، ليس أكثر ولا أرخص من الكتب في مصر، الإنترنت مكتبة عظمى، ببلاش تقريبا، من يريد أن يعرف حقيقته وتاريخه فليغرف وليقرأ، لكن ماذا نقرأ وكيف نقرأ في هذا المحيط الخضم، إن الحدث الواحد حوله ألف كتاب يكذب بعضهم بعضا، وأحيانا يصدق بعضهم بعضها...

أين تاريخ مصر.. بل أين مصر!

عايزة أشوف بلدي، هذه الروح الدافئة التي تسكننا، عايزة أشوفها من غير أي سحب وضباب.

بالتأكيد توجد الحقيقة والمصريون الحقيقيون الذين يخبروننا بها بين هذه الكتب، ولكن كيف نجدهم.

دلَّني زميل على كلية الآثار، أن أدرس فيها، إن من يريد أن يقرأ التاريخ حقا يجب أن يكون عنده الحس العلمي لاختيار الكتاب، يعرف من كتبه، كيف كتبه، ما دقه مصادره، في كلية الآثار بداية من 2013، وعلى إيدى أساتذتها العظام، ولعدة سنوات، علموني وأهدوني هذا الحس العلمي في الاختيار.

أهم ملحوظة في هذا المشوار الشاق، أنه كلما عاد المصري في قراءة كتب التاريخ للوراء- المكتوبة على يد المعاصرين لكل فترة- أكثر ما يسمعه يصدر من الكتب هو صوت المستوطنين الأجانب، هؤلاء القادمين من اليونان، أو جزيرة العرب، أو الشام، أو المغرب، أو القوقاز، أو بلاد الروم، أو الأتراك، هؤلاء يملئون كتب التاريخ القديم بصخبهم ومعاركهم وأطماعهم وآرائهم، يصفهم المؤرخون مثل المقريزي والجبرتي بأنهم "المصريين"، مع أنهم في نفس الوقت يشهدون بأنهم ليسوا مصريين، يقولوا فلان القادم من الشام، وفلان المجلوب من بلاد الغز (الترك)، وفلان القادم من المغرب، إلخ.

أين المصريون الحقيقيون غير الوافدين إذن؟ انقرضوا؟ أم هم هؤلاء الذين يوصفون في هذه الكتب العتيقة بتعالي بكلمة "الفلاحين" و"المحليين"، الكم المهمل في الأرياف الواسعة، الكل يتصارع لامتصاص ما فى عروقهم إلى آخر نقطة دم، ليس لهم كلمة وصوت في كتب التاريخ في معظم عصور الاحتلالات، كل هذه القرون صوتهم مكتوم، وغيرهم من كل الأجناس يتحدثون باسمهم !

قبل الاحتلالات.. منقوش السؤال والجواب، حين كانت مصر كشمس رع، ظاهرة صافية، بلا ضباب، من هنا، من أزمنة التاريخ المصري القديم قبل الاحتلالات، يجوز أن نعثر على بذور الحقيقة، من هنا نسير مع موكب التاريخ عصر وراء عصر، نسير وراء الفلاح نفسه،
 كيف كان، وكيف أصبح، وماذا حصل له في الاحتلالات، كيف جاءت الاحتلالات أساسا، خنع لها، أم غُصب عليها، أم قاومها، كيف غار صوته وصورته في جوف ظلمات التاريخ حتى ظنناه انقرض رغم أنه باقي لحما ودما.. يعرق ويكدح ويقدم الإنجازات، ويكتبونها على غير اسمه !
حين يسير القارئ بمهل مع كتب التاريخ- المكتوبة في كل عصر- يستكشف، وإن كان بصعوبة، إجابات على أسئلة حيرتنا كمصريين:

- كيف سقطت مصر العظمى وتسلمها احتلال بين قدميه ليسلمها لأقدام احتلال آخر مئات السنين؟

- أين ذهب المصريون؟ المصريون الحقيقيون أحفاد مينا ومنتوحتب وأحمس؟ هل هاجروا من بلدهم كما يدعي البعض؟ هل أبادتهم نهائيا سيوف المحتلين؟ هل تكاثر عليهم المستوطنون الأجانب فذابوا فيهم فلم يعد في مصر مصريون أصلاء؟ أم ما زالوا ملتصقين بأرضهم كطمي النهر؟

من إذن يستحق أن يُقال عليهم مصريون اليوم؟

- هل حقيقي أن مصر بوتقة للهجرات الأجنبية، أما الحقيقة أن هذه الهجرات محرقة المصريين؟ أشنع محرقة عانى منها بشر لمئات السنين المتواصلة.

- من حقا أثَّر في الآخر، هل تمصرت الهجرات الأجنبية أم صبغت كل هجرة مصر بصبغتها حتى صارت كمن يرتدى قناعا قبيحا مرقعا من كل الأشكال والألوان؟

- هل حقيقي تاريخ مصر "طبقات" كطبقات "التورتة"، فرعوني ويوناني وروماني وعربي وعثمانلي وإنجليزي إلخ كما يقال؟ أم أنها مجرد "أقنعة" ألصقها المستوطنون المحتلون غصبا على وجه مصر الصبوح لتخفيه ويبررون وجودهم وفرض ثقافتهم على مصر؟

- لماذا كلما زادت "الطبقات" المصطنعة (الأقنعة) فوق وجه مصر كلما زادت الجرائم، المظالم، الشرور، العادات القبيحة، الحزبية، القلق، وتباعد المصريون عن بعضهم، وتباعد المصريون عن مصر، وتكبروا على كلمة الفلاح؟
- لماذا يمجد معظم المصريين المتعلمين محتليهم؟ يسخرون أنفسهم لكتابة كتب تمجد المحتلين من كل لون وتقدمهم كأصحاب "فضل" على مصر!

- لماذا في مصر ما زال أحفاد المحتلين والمستوطنين يفتخرون بأصول أجنبية لأجدادهم؟ لماذا بكل جرأة يقف شخص يقول أنا مصري من أصل يوناني، أو مصري من أصل قبلي عربي، أو مصري من أصل أرمني، أو مصري من أصل تركي؟ ولماذا بعضنا يقبل هذا منهم ويشجعهم؟
- ما تأثير كل هذا على ما تكابده مصر من سقطات كلما نهضت؟ ومن أزمة هوية، من سؤال: "من نحن؟".

- أين ذهبت لغة المصريين المقدسة؟ إحدى أقدم وأزهى لغات الأرض؟ لماذا فقد المصريون لغتهم في حين لم يفقد الترك والفرس والهنود والأوروبيون لغاتهم؟ وهل فقدناها تماما أم ما زال فيها الرمق؟

- ما هي أساسا أسباب نهضة مصر في أي زمن وما هي أسباب سقوطها واحتلالها؟

- هل حقا مصر "مقبرة الغزاة"، أم الحقيقة أن مصر "جنة الغزاة"؟ أكثر الدول التي يجيد الغزاة احتلالاها عبر التسلسل واللسان المعسول، ولا يجد فيها الغزاة عقابا حقيقيا على ما اقترفوه من جرائم- عدا مرات نادرة- بل يجدون أحيانا التكريم والتمجيد، حتى أن كثيرا من شوارع ومدن مصر مسماة بأسماء الغزاة!

- من قاوم الغزاة حقا؟ من سالت دماءهم فيضانا كفيضان النيل وهم يثورون ضد استيطان الأجانب؟ وما أن يثوروا حتى يظهر على الساحة من يدَّعون أنهم مصريون ويقتلون ثوراتهم.

- كيف تحول مصريون متعلمون من روح واحدة إلى أحزاب وشيع وتنظيمات تكره بلدها وتعبد الأجنبي؟

- كيف تحولنا من أننا نعرف أن مهمتنا المقدسة هي حماية مصر أرضا وهوية، وبنائها بأيدي وعقول وأموال المصريين إلى الظن بأن تمليك الأجانب للأرض وتقديم شرف الجنسية المصرية لهم باسم استثمار أو منح، وخلط الأجناس بالمصريين هو الطريق لتنمية مصر؟

من يتحدث باسمنا ويقول هذا الكلام؟ هل نحن المصريون حقا؟ أم المستمصرون المجنسون وبواقي الاحتلال؟ أم أرواح شريرة بداخلنا صنعها التاريخ المزور، تسكن أجسادنا وتنطق باسمنا، بعد أن نجح المحتلون في تصفية المصريين من مصريتهم وذاكرتهم، وإن بقيت عروقهم تحمل دماء مينا وأحمس.

- من يحكم مصر حقا؟ .... هل المصريون الحقيقيون أم ظلال وأفكار وهويات الاحتلال، وبواقي دماء احتلالية لم تتطهر من أصول دخيلة؟

هذا وغيره يحاول الكتاب استكشافه، ويستطيع المصري وهو يسير في موكب التاريخ مع كتبه القديمة أن يلمسه، ويجد إجابات له، شرط أن يقرأ بعين فلاح، ويشعر بقلب فلاح، ويقيم الأحداث بعقل الفلاح، ذاك الذي لا يؤمن له بأصل أو هوية إلا أرض مصر ولونها..

فلا تختلط أمامه الأوراق، لا تختلط الأجناس، ولا يتوه وسط الثقافات الدخيلة، ولا يتمزق أو يضل بسبب الخطوط والفواصل الوهمية التي اختلقها بعض كتاب التاريخ في القرن 19 لتمزيق تاريخ المصريين بتقسيمه إلى (فرعوني، قبطي، يوناني، روماني، عربي، فاطمي، أيوبي، مملوكي، عثماني، حديث) يستطيع أن يلتقط صوت جده الفلاح وسط ضجيج كل أصوات التاريخ التي زحمت بلاده في الماضي، مهما انخفض صوت جده، سيصل قلبه بقلبه، ودمه بدمه، وأرضه بأرضه، ومصريته بمصريته.

يراه وهو وحده الثابت في هذه الأرض، هو وحده الحقيقة، الكل يتغير، المحتلون والجاليات الأجنبية واللغات والأديان، الثابت الوحيد طوال هذه الآلاف من السنين هو الفلاح المصري "كيمتي" وأرضه (وهما وحدة واحدة لا تتجزأ)، المغروسة فيها قدمه المشققة من طول الزرع في طينها، القابضة يداه الخشنتان من الشقاء على الفأس وهو يزرع، والقابضة على آداة الحرفة وهو يصنع، وعلى الطوبة وهي يبني، الباسمة شفتاه رغم كل شيء، المرفوعة عيناه إلى السماء أملا وعشما في النجاة.

لكن هذا عمل شاق طويل، سار فيه الكثير والكثير من أساتذتنا مثل الدكاترة سليم حسن، عبد العزيز صالح، سيدة كاشف، آمال الروبي، زبيدة عطا، علي بركات، عاصم الدسوقي، رءوف عباس، سامي عزيز، عبد الرحيم عبد الرحمن عبد الرحيم، وآلاف غيرهم، وأنجزوا، في كل المجالات، وهم يتتبعون حال الفلاح في الهوية واللغة والدين والأخلاق والملابس والآداب والأغاني والأكلات والثورات وعلاقته بالأجناس والثقافات الوافدة، وعدد السكان، حاله في الزراعة والصناعة والتعليم، من أول الزمان وحتى الآن، دخلوا إلى الأرشيفات العتيقة ومخازن البرديات والوثائق المخفية تحت ركام التراب، واستخرجوا منها في رسائل الماجستير والدكتوراه المعلومات المكنوزة المخفية أو المهملة عن المصريين الحقيقيين، وكيف كان حالهم في كل عصر، فقط يحتاجون اليوم الذي تفوق فيه الدولة لمصريتها، وتلملم مجهود هؤلاء الأساتذة الفلاحين، وتنشئ المكتبات المخصصة التي يتوجه إليها المصري ليعرف من هو المصري الحقيقي، وكيف كان، وكيف أصبح، في كل المجالات، بتاريخ كتبه المصريون الحقيقيون.
.........
والى لقاء قادم مع الجزء الثانى من ( لماذا هذا الكتاب )

مراجعة لغوية: أ. أسامة عبد المعطي
الكتاب بقلم: إفتكار البنداري السيد (نفرتاري أحمس)

مين ضد "مصر للمصريين" ومع "مصر لمن غلب"


مصر للمصريين
الصورة من غلاف كتاب "مصر للمصريين مائة عام على الثورة العرابية" إصدار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية
سألنا من كام يوم سؤال: مين اللي ضد مبدأ مصر الخالد "مصرللمصريين"
ومين اللي مع مبدأ الهكسوس القديم الجديد "مصر لمن غلب"، أو اللي متخبي تحت اسم "مصر للجميع" .. يعني لجميع الأجناس اللي تقدر تسيطر عليها.
وكانت إجابة الناس على حساب الفيس وتويتر إنهم:

- حرامية الأوطان
- العثمانلية والعروبيين والإسلاميين واليسار والليبرالية
- الاتحاد الأوروبي اللي بيخطط لإزاحة النازحين والمهاجين إلى مصر
- الإسرائيليين بهدف خراب مصر بيد النازحين والمهاجرين
- الدولة المصرية بغفلتها
- أي خاين لمصر
- الرئيس والحكومة والبرلمان
- بتوع ما الوطن إلا حفنة من تراب عفن وأشباههم
- كل طامع وكاره للبلد
- المصريين نفسهم
- بعض المصريين أصحاب المصالح أوعديمي الوعي
- كل مستفيد من وجود الهكسوس في مصر (لمصلحة إنه تبع تيار يخصه أو بسبب شغل أو جوازة، أو عشان يبقو آداة للسيطرة على مصر من جواها)
- المتمصرين
- أعادي مصر
- السفهاء اللي المفروض نحجر عليهم
- الهكسوس الجدد اللي محتلين مصر
- العرب واللاجئين
- اللي طردهم أحمس في رواية أرض الإله (القبايل البدوية وبني إسرائيل حسب الرواية)
- زبالة البشر اللي باعوا أوطانهم وجايين يستعمروا بلدنا
- أحفاد الجواري والعبيد
- اللي قال طز في مصر، واللي قال ماليزي مسلم يحكمني ولا قبطي يمسك حتى محافظ
- بتوع العروبة والقومية العربية
- أي صاحب فكر ديني تبع المذاهب اللي مشروعها إن كل الأرض ملك لصاحب هذا الدين أو صاحب المذهب
- اللي عايزين يهدمو الدول بمسح هويتها عن طريق الهجرات والاستيطان
- اللي عايزين يحولو مصر لبزرميط أجناس وطوايف وملل، وكل طايفة يبقالها حكومة وجيش
- كل تيار أو تنظيم قايم على نصباية إنه مفيش حدود بين البلاد
- اللي غفلو عن حماية مصر ويمشي عليهم بيت المتنبي
نامت نواطير مصر عن ثعالبها  *** فقد بشمن وما تفنى العناقيد
- مجنسين في الحكومة والبرلمان

 ( تعليق المدونة )


في واحد من أقدم النصوص المتسجلة في تاريخ مصر والعالم، وهي نصوص الأهرام، سجل المصريين "وصية حور" ، حورس (بالنطق اليوناني المتحرف لحور) بتوصي المصريين بإنهم ما يفتحوش حدودهم لا الشرقية ولا الغربية ولا الشمالية ولا الجنوبية لشعوب الأرض، بمعنى إن التعاملات بين المصريين وشعوب العالم تكون فوقانية، بمعنى برضو تكون خاصة بتبادل التجارة مثلا، لكن من غير السماح  للشعوب الأجنبية بالاستيطان في مصر، ودي تعتبر  أقدم صيغة لمبدأ "مصر للمصريين"، وهو مبدأ أساسي من مبادئ الأصول المصرية (الدستور المصري القديم الخالد) اللي صاغه الأجداد تحت اسم "ماعت".

وكانت شرعية الحاكم نفسه شرط أساسي من شروطها حماية وتأمين حدود مصر من أي غزو أجنبي، وعشان كدة اهتم كتير من حكام مصر بتسجيل نفسهم وهما بيحاربو ويدافعو عن حدود مصر وبيطردو الأجانب على جدران المعابد، زي نقوش رمسيس التاني على جدران معبر الأقصر، ونقوش سيتي الأول على جدران الكرنك.

وطبق المصريين المبدأ ده عمليا، وعلى أساسه قدرو يعملو أقدم دولة وحكومة مركزية وشعب واحد وجيش وطني واحد وهوية واحدة، دول قايمة على التعاون والمحبة مش على الصراع بين سكانها، ومكنش بيحصل بينهم أي صراع ومعارك إلا نادر لما تسقط الحكومة المركزية ويتفك الجيش الواحد ويتفتح الباب لتوطين أجانب.
وبالمبادئ دي اتصنعت أنبل وأعظم حضارة على وش الأرض، كان برد وسلام على الدنيا، وتعاملت مع بقية الشعوب بمبدأ "نسالم من يسالمنا ونعادي من يعادينا".

ومش مجاله دلوقت شرح إيه فصول العقاب اللي اتعرضت له مصر لما غفل أولادها في بعض العصور القديمة والحديثة عن مبادئ "ماعت"، وانفتحت حدودها للهجرات الأجنبية والاستيطان الأجنبي (التفاصيل في المراجع اللي تحت)، ويكفي نعرف إن ده من أكبر أسباب سقوطها في الاحتلالات مئات السنين، لحد ما رجع ولادها يتنبهو لمبدأهم "مصر للمصريين" واترفع بالصيغة دي لأول مرة في ثورة 1881 أيام عرابي، وبعده في ثورة 1919، باعتباره مبدأ كل مصري حر.

الهكسوس في مقبرة خنوم حتب
رسم حديث طبق الأصل لنقوش في مقبرة خنوم حتب التاني بمقابر بني حسن تصور الهكسوس يدخلون مصر في صورة تجار أو لاجئين


في المقابل..

في حين كانت مصر زاهدة في خير وأراضي الشعوب اللي حواليها، ومش بتخرج من حدودها إلا عشان ترد وتصد أي غزو أجنبي، كانت مصر مطمع لكل الشعوب اللي حواليها، وكان وسيلتهم لده إما الغزو المباشر (بالسلاح والقتل)، أو بالتسلل، والطريقة التانية هي أكتر وأنجح طريقة اتبعها الأجانب في احتلال مصر من جواها، واتكررت كذا مرة في الأزمنة القديمة، من أشهرها تسلل هكسوس الشرق والغرب في الأسرة 6 لمصر في توب خدم أو بيدورو على شغل لحد ما ساعدو في انتشار الفوضى اللي وقعت الأسرة 6 والحكومة المركزية لحد ما طردهم منتوحتب التاني في الأسرة 11 وأمنمحات الأول في الأسرة 12،، وتسلل الهكسوس مرة تانية بداية من الأسرة 12 لحد ما اتمكنو واحتلو مصر بداية من الأسرة 15، وهما اللي حاربتهم مصر بقيادة أحمس وطردتهم في نهاية الأسرة 17.

واستيطان هكسوس الشمال والغرب، قبائل شعوب البحر، في مصر في الأسرة 20 أيام رمسيس التالت لحد ما اتمكنت واحتلت مصر من جواها بداية من الأسرة 21 أو 22...

أما إزاي غفل المصريين في الأسرة 6 والأسرة 12 والأسرة 20 عن خطر تسلل الأجانب في المثالين دول، فكان لأنهم رموا السلاح، وما دخلوش مصر بصفة أعداء ظاهرين، لكن في الأولانية بصفة خدم ولاجئين وتجار وجواز، وفي التانية بصفة خدم وأسرى حرب.

(ارتفاع شعار "مصر للجميع"، و"مصر لمن غلب")

وطول عصور الاحتلالات كان الشعار المرفوع هو "مصر لمن غلب"، بمعنى الأقدر على احتلالها من كل الشعوب والإمبراطوريات اللي بتتصارع على الهيمنة في المنطقة أو العالم، ومعاه شعار "مصر للجميع" عدا أولادها، وأولادها هما اللي كان بيسميهم المحتلين أهل الريف أو الفلاحين في أي مكان في مصر، قبلي أو بحري، ومقصود بيهم المصريين اللي يعرفوش ليهم أصل أو فصل إلا الأرض المصرية، سوا بيشتغلو بالزراعة أو لا.

أما كلمة الجميع في مصر للجميع، فمقصود بيها كان الجاليات الأجنبية من كل جنس اللي كان بيستعين بيها الاحتلال ويديها امتيازات عشان تكون قوة ليه وعزوة ضد أهل البلد الأصليين (الفلاحين).

بعد رجوع مبدأ مصر للمصريين في 1881، وتكالب العالم على ثورة 1881 لحد ما ضربوها، أعلن ألفريد ملنر وزير المستعمرات البريطاني، وكرومر مندوب الاحتلال البريطاني في مصر عن اللي اتسمى بتدويل مصر، لما قال ملنر إنه يتمنى تكون مصر كلها زي الإسكندرية (أيام الاحتلال الإنجليزي) متكونة من الجاليات الأجنبية، وبتعبيره تتحول مصر إنها تكون "بلاد دولية".

وقال كرومر في تقاريره للحكومة البريطانية "الكتاب الأزرق"، وفي كتابه اللي عمله بعد ما ساب مصر 1907، كتاب "مصر الحديثة"، إنه الأفضل لمصر تتحكم من كل الأجناس اللي استوطنتها أيام الاحتلال، وسماها "مصر العالمية"، واقترح يكون البرلمان المصري متكون من أفارقة وآسيويين وأوروبيين، وتتاخد القرارات اللي تخص مصر بالتوافق بين كل الأجناس دي، ووصف المصريين اللي رفضو الكلام بإنهم "ناكرين للجميل"، و"متعصبين ومتجمدين".
كرومر مشروع تدويل مصر
كرومر خطط لتدويل مصر بعد جلاء جيش الاحتلال
مصدر الصورة: (موقع فالصو على الإنترنت)


غرس تيارات صناعة المسخ في أرض مصر

في نفس الوقت، في أيام الاحتلال العلوي- الإنجليزي، بدأ يتغرس في مصر على إيد المستوطنين الأجانب تنظيمات وتيارات أجنبية وعالمية، هدفها تحول المصريين لـ"مسخ"، شعارها إن الحدود تراب، ومفيش حاجة اسمها وطنية، وبتتبنى قيام دولة عالمية واحدة تحكم العالم بحكومة واحدة، وهي المحافل الماسونية، التيار الشيوعي، التيار الليبرالي الرأسمالي، التيار السلفي، تيار تنظيم الإخوان المسلمين، وهي تيارات بدأت على إيد الأجانب، لكن نجحت في إنها تضم ليها مصريين، خصوصا من المتعلمين، ومسحت من جواها معنى المصرية والوطنية، وغرست محلها إن مصر "حق" لأعضاء التنظيم أو التيار ده الموجودين في كل العالم، مش حق لأهلها الحقيقيين.

وانضاف للتيارات دي تيار القومية العربية اللي جابه الشوام معاهم لمصر واتفنن في مسح الهوية المصرية بحجة إنه مدام المصريين بيتكلمو عربي فيبقو عرب، وتبقى مصر حق لكل العرب، وده من أسبابه إن الشوام يقاومو تيار الهوية المصرية ومبدأ "مصر للمصريين" اللي اتبناه سعد زغلول وطه حسين وأحمد لطفي السيد وسلامة موسى وأحمد حلمي وغيرهم.

فشلت خطط ملنر وكرومر بسبب ثورة 1919 وبعدها ثورة 1952، وإن كان ثورة 1952 اتورطت في الفخ اللي اتنصب لمصر من أيام حكومة حزب الوفد وفاروق في التلاتينات والأربعينات، وهو فخ القومية العربية اللي نصبه الشوام زي ما سبق الكلام اللي استوطنو مصر في النصف الأولاني من القرن 20، واتبناها فاروق والوفد، وورثها وكبرها جمال عبد الناصر، وإن كان لأهداف مختلفة، واتسببت في ظهور مفهوم إن "مصر للعرب".


(البزرميط شعار العصر)

بعد وفاة عبد الناصر وانكشاف غدر كتير من الدول العربية بمصر، خصوصا بعد اتفاقية السلام 1979 لما أخدو قرار شبه جماعي بمقاطعتها وتجميد عضويتها في الجامعة العربية، رجع يعلى شعار مصر للمصريين، ومصر أولا، لكن من غير خطة حقيقية تحيي المبدأ ده كما يجب جوة نفوس المصريين، لأنه استمر في المدارس والإعلام، وحتى في خطابات الرؤسا والمسئولين، يتقال إن مصر عربية والكلام مستمر عن "الوحدة العربية"، وعمل مسلسلات وأفلام تمجد التاريخ العربي، إلخ
وزاد البلا إنه من السبعينات شجعت الحكومة تنظيمات الإخوان والسلفيين على الظهور والحركة في الجامعات والمساجد والنقابات، فرجع من تاني مفهوم "مصر للجميع"، وهنا كان معناه للعرب وللمسلمين في كل العالم، بل وإن المسلم اللي مش مصري أقرب للتنظيمات دي من المسلم المصري.

في ذات الوقت برضو اتبنت الحكومة سياسة الانفتاح سداح مداح على الاستثمار الأجنبي الأوروبي والأمريكاني جنب الاستثمار العربي، وتغيرت القوانين عشان تسمح للأجانب والشركات متعدية الجنسيات بالتمليك في الأرض المصرية، وشرا الأصول وأملاك الدولة في اللي تسمى بقوانين الانفتاح وبعده قوانين الخصخصة والإصلاح الاقتصادي، فرجع مفهوم "مصر للجميع" اللي كان شايع أيام الاحتلالات.. ومعناه "مصر لمن غلب"، و"مصر للي معاه فلوس".
البزرميط التنظيمات العالمية
اجتماع يضم أعضاء من تنظيمات الإخوان واليساريين والعروبيين والليبراليين في تأسيس "الجمعية الوطنية للتغيير" سنة 2010 المدعومة من رجال أعمال أتباع فكر العولمة، وأبلغ تمثيل لحالة البزرميط وسيطرة التنظيمات العالمية على العقل المصري اللي رجعت بعد السبعينات
(الصورة من جرنان الشرق الأوسط نقلا عن أ.ف.ب)


(30 يونيو .. الثورة التايهة)

ولما قامت ثورة 2013 معظم اللي شاركو فيها كان هدفهم حماية الهوية المصرية من الغزو الإخواني، وهدفهم ترجع "مصر للمصريين"، لكن مع استمرار الزحف الهكسوسي الجديد على مصر- واللي بدأ في التمانينات بالسودانيين، وبعد 2003 بالعراقيين، وزاد بعد 2011 بالسوريين واليمنيين والليبيين والأفارقة إلخ- مع استمرار الزحف دة اللي اتحول لطوفان، وصدور قوانين من الحكومة والبرلمان تسهل وتسرع فرص التمليك والتجنيس والتعليم والسكن للهكسوس من كل جنس باسم تشجيع الاستثمار أو رعاية "الأشقاء"، بحيث إن الأقدر على العيشة والتمليك والتعليم في مصر هو الأكتر مال وإن كان أجنبي، اتعرض مبدأ "مصر للمصريين" لهزة كبيرة، وتساؤلات أكبر عن مستقبل مصر وسط الطوفان الجديد.

وزاد على ده إن الحكومة والإعلام والتعليم والفن مش متبنيين هوية واضحة لمصر، لكن ممكن تلاقي في نفس القناة أو على لسان المسئولين أو في التعليم مثلا حاجة بتمجد القومية العربية، وبعدها حاجة تمجد الهوية المصرية، وبعدها حاجة تمدح في وضع مصر وهي محتلها اليونانيين والأرمن واليهود وتلمع فيهم، وبعدها حاجة تمدح في الخلافة الإسلامية، وهكذا.. كوكتيل بزرميط.
مستوطنات الهكسوس و اللاجئين
صور عن سيطرة هكسوس دخلو مصر باسم لاجئين واحتلو مدن وأحياء كاملة من كذا جنسية
الصور: (موقع دوت مصر وموقع المصري اليوم)
وفي نقطة مهمة جدا قليل اللي منتبه ليها...

وهي إن رجوع شعار الهكسوس "مصر للجميع"، أو "مصر لمن غلب"، مع غياب سياسة وإرادة حقيقية لاسترداد الهوية المصرية الكيمتية، ومع التعمد الواضح من الإعلام والتعليم ومواقع على النت لتحقير كلمة "فلاحين"، وتلميع عصور الاحتلالات السابقة، وتلميع اللي سبق واحتلونا بالسلاح أو الاستيطان من العرب والمماليك والأتراك والمغاربة والشوام واليونانيين والأرمن إلخ، خلى في ناس بقت تتباهى وتتفاخر بإن ليها أصل أجنبي، أو حتى يخترع لنفسه أصل أجنبي، فيقولك أنا أصلي مملوكي، أو أصلي مغربي، أو أصلي شامي، أو أصلي يوناني، أو أصلي تركي، أو أصلي من قبيلة كذا العربية إلخ، من غير أي خجل أو كسوف، ودول أكترهم ضد مبدأ "مصر للمصريين"، لأنهم بيتلذذو بإحساس إن مصر ملكهم هما لوحدهم زي ما كانت أيام الاحتلالات، وإنهم فوق الفلاحين، وعندهم حاجة نفسية إنه كل كتر عدد الأجانب في مصر، كل ما حسو إن هما مش أغراب، لأن ده "الوضع الطبيعي" في مصر بحسب الوهم اللي عندهم.

وكان الحل الصح هو إن الناس دي- خصوصا اللي ليها زمن طويل في مصر- يتمصرو ويبقو فلاحين، وينضمو لمبدأ "مصر للمصريين"، ويقولو إن كان حصل هجرات لمصر وقت الاحتلال فكفاية اللي حصل، وإحنا الحمد لله بقينا مصريين وبس، ومش هنسمح بإن مصر تفضل ملقف لشعوب العالم.. لكن هما عملو العكس- بمعنى أصح أغلبهم- وهو إنهم احتفظو بروح الغزاة.. روح العربان والمماليك واليونانيين والأتراك وكرومر وملنر.

ويمكن دول اللي قصدهم ناس في الإجابات اللي فوق باسم "المتمصرين"، و"أحفاد العبيد والجواري"، و"المجنسين".

وبكدة يبقى كل الإجابات اللي جاوبها الناس فوق صح مية المية، وينضاف ليهم أكيد عينة من  رجال الأعمال عشاق الخصخصة والعولمة، سوا المحليين أو الأجانب، اللي بقت مصالحهم مربوطة بمصالح منظمات وشركات أجنبية، بخلاف إن كتير منهم واخدين جنسيات أجنبية أو متجوزين أجانب، أو هما أصلا من أحفاد العائلات المستوطنة والعائلات اللي كانت مسيطرة على اقتصاد مصر قبل 1952، إلخ.

ونرجع نقول إن السبب في ده إن الإعلام والتعليم والسيما والنت بيغذو عقد الخواجة وبيغذو تلميع الأجناس اللي احتلت مصر بدل ما يغذو الهوية المصرية الحقيقية (الكيمتية/ الفلاحية)

ده كان محاولة لتشخيص سبب ضعف مبدأ "مصر للمصريين" جوة المصريين، وسبب ترحيب معظم المتعلمين منهم بالأجانب من كل جنس، وفرحهم الكبير كمان لما يتقال إن مصر أم الدنيا معناها تبقى ملقف وحضن الدنيا (مع إن المعنى ده المعنى ده لأم الدنيا، ويعتبر بيذم مصر مش بيمدحها)
ومحاولة عشان نعرف مين واقف ورا كبس مصر بملايين الهكسوس الجدد، وليه، يمكن تكون بداية عشان الدنيا تنور ونرجع نرتب ورقنا، ونقرا تاريخنا، ونعرف اللي بيتخططلنا، قبل ما مصر تفلت من إيدينا تاني... ويرجع المصريين الحقيقيين (اللي يحبوش يبقالهم أي أصل أو فصل إلا مصر) مستعبدين تحت رجلين كل أجناس الأرض، زي أيام الاحتلال "الحلو الجميل" اللي الإعلام والتعليم بيلمع فيها دلوقت !

بقلم:
إفتكار البنداري السيد
(نفرتاري أحمس)

*******************

الكتب والمراجع (اضغط عليها للدخول لرابط التحميل)

نص وصية حور (وثيقة العهد الكيمتية) وسائل الهكسوس للتسلل لمصر من الشرق والغرب والجنوب والشمال في الأزمنة القديم ولحد 1952 والعقاب اللي اتعرضت له مصر بسبب ده في:


تصريح ألفريد ملنر عن تدويل الجيش المصري بعد ثورة 1881 في :


تصريحات كرومر عن تدويل مصر في:


تصريحات كرومر عن تدويل الجيش وتدويل مصر وتسليم حكمها لبرلمان من كل الأجناس في:


Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More

 
Legacy Version